حدث ذلك في بريطانية؛ هذا البلد العريق في العلم والحقائق الموضوعية؛ ففيه نشأ إسحاق نيوتن وفرانسيس بيكون وجون استيوارت مل، وواضعو المنهج التجريبي العلمي الحديث. وفيه أيضا استند القانون إلى الحالات السابقة والوقائع، وكان انتشارها عبر الأسطول والتوسع البحري عبر المحيطات للالتفاف حول العالم القديم، وتأمين خطوط المواصلات البحرية في جبل طارق وقناة السويس وعدن والرجاء الصالح طريقا إلى الهند، واقعا عسكريا وليس خيالا علميا وانتشارا إعلاميا. وعرف إعلامها بالدقة والموضوعية، وأصبح رمزها
BBC ، ثم تصبح اليوم مهدا للسحر والإعلام على الطريقة الأمريكية؛ فقد تجاوز التبعية البريطانية للولايات المتحدة الخيارات السياسية إلى أيضا وسائل الإعلام الأمريكية، وما يسود المجتمع الأمريكي من سحر وخرافة وأساطير تبثها الجماعات الدينية المغلقة واليمين المتطرف والمحافظون الجدد.
بدأت الكاتبة بتدوين قصصها التي كانت ترويها لأطفالها. البعض من قراءاتها، والبعض الآخر من خيالها، ثم فكرت في التدوين كتابة لما ترويه شفاها، وأدب الأطفال رائج بطبيعته في الغرب؛ فهو تأليف من القلب والخبرة الذاتية والواقع، وليس من مصادر ومراجع، ومعاجم وقواميس، وتجارب وقياسات علمية. والكتابة من القلب أفضل من الكتابة الموثقة. الأولى للعامة، والثانية للخاصة. الأولى علمية، والثانية أدبية . والخيال الإنساني في أدب الطفل يفوق الخيال العلمي في أدب الشباب. والكاتبة امرأة، وهو في حد ذاته يفتح لها الأبواب؛ لما للحركة النسائية في الغرب من حظوة، ولما للأدب النسائي من أنصار. وهي شقراء بها مسحة من جمال قديم؛ نموذج المرأة الأوروبية.
واستحوذ الكتاب المطبوع على لب القراء بطبعته المجلدة الفاخرة مع صورة الغلاف التي تشد الانتباه؛ صورة البطل التلميذ البريء الهمام، القادر على الاستحواذ على العالم بالسحر، وشد انتباه معلميه ومجتمعه، وإشباع حس المغامرة فيهم، والبحث عن المستقبل، والسيطرة على مساره.
وكان الوعي الأوروبي في بداية العصور الحديثة قد نفر من الكتاب ورموزه؛ منطق أرسطو، فلك بطليموس، الكتاب المقدس، أقوال آباء الكنيسة؛ لأنه يمثل سلطة القدماء على إبداع المحدثين. توجه العقل مباشرة نحو الطبيعة لتأسيس العلم الطبيعي، ونحو المجتمع لتأسيس العلم الإنساني، دون وساطة النص. ونشأ علم نقد النصوص بوجه عام، خاصة النقد التاريخي للتحرر من سلطته.
وفي نهاية العصور الحديثة الآن يعود النص ليصبح مركزا للوعي الأوروبي، النص الديني الآسيوي أو الأفريقي، أو النص الشعري أو الروائي، أو النص الإسلامي، القرآن والحديث. فازدهرت علوم التأويل، وقراءة النصوص، وعلم النصوص
Textology . وأصبحت الرواية أكثر الكتب مبيعا بعد الإنجيل، كما أصبح القرآن بعد حوادث سبتمبر 2001م أكثر الكتب مبيعا على الإطلاق، وذاع انتشار الكتب عن الإسلام، عقيدة وشريعة، دينا وثقافة، علما وحضارة، فنا ورؤية، مثل «إحياء علوم الدين» في أندونيسية بعد البخاري.
وجد الوعي الأوروبي في الكتاب المدون نصرا جديدا أو تكئة قوية لاستنهاض ذاته، والعثور على بؤرة جديدة له بعد أن قضت ما بعد الحداثة والتفكيكية على البؤرة القديمة في بدايات عصر النهضة؛ العقل والطبيعة.
ثم تلقفه الإعلام الذي يصنع الحقائق بطريقة روايتها وتوجيه الخبر والتعامل معه. والإعلام هو صانع الرأي العام، والمؤثر في انتخابات الجماهير، والموجه لسلوكهم في الحياة الخاصة والعامة؛ فالحقيقة هي كيفية روايتها، وكيفية الرواية قائمة على الأهداف غير المعلنة، والتي قد تغطي على الحقيقة ذاتها لدرجة تزييف الحقائق، وتغييب الوعي؛ تهميش المركز ومركزة الهامش كما يحدث في الإعلانات التجارية عندهم، والفيديو كليب عندنا.