تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحتاج أوروبة إلى يقظة جديدة بدلا من العدم التي وضعت نفسها فيه، والثبات على المركزية، ونسيان ذاكرتها التاريخية. تحتاج إلى وعي بمكوناتها الخارجية من العرب والمسلمين والشرق القديم الذي صب في اليونان. تحتاج إلى العودة إلى نهضتها الأولى وتنويرها وهي في ذروتها، مع التخلي عن ازدواجية المعايير. التنوير والعقلانية والعلم والتقدم والحرية والديمقراطية داخلها، ونقيضها من جهل وخرافة وأسطورة وتخلف وقهر وتسلط خارجها؛ فأوروبة التي بلغت ذروة التقدم في القرن التاسع عشر في داخلها، بلغت ذروة استعمار غيرها خارجها منذ قضاء إنكلترة على إمبراطورية المغول في الهند، واحتلال فرنسة الجزائر، واحتلال إنكلترة وفرنسة باقي الوطن العربي والعالم الإسلامي في أوائل القرن العشرين، مع احتلال إسبانية والبرتغال أراضي الأندلس القديمة، وهولندا وبلجيكا وإيطاليا العالم القديم في أفريقية وآسيا.

تحتاج أوروبة إلى استرداد وعيها التاريخي، وليس اعتبار التاريخ مجرد ذاكرة فردية في الرواية، بل هي ذاكرة جماعية في الوعي التاريخي الحضاري كي تعيد تحمل مسئوليتها في فترة ثانية من مسارها تتجاوز به العدمية الحالية؛ ما بعد الحداثة، والتفكيك، والكتابة في درجة الصفر، وموت المؤلف.

إن مسار التاريخ يتغير بين المركز والأطراف، وميزان القوى يتبدل بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب. الآن تنهض آسيا ممثلة في اليابان وكوريا وماليزيا وإيران وتركية، وتنهض أمريكة اللاتينية ممثلة في فنزويلا والبرازيل وشيلي. والعدوى قادمة إلى الوطن العربي بداية بتخلي الحكم العسكري في موريتانيا عن سلطته إلى انتخابات حرة من الشعب لاختيار ممثليه. تعود حركات التحرر الوطني من جديد في مرحلة ثانية لاستعادة سلطة الدولة الوطنية المستقلة اعتمادا على حركة الشعوب، وتكوين نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، والتحرر من النظام الأحادي القطب. ما زال التحول في البداية

ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (الإسراء: 51).

السحر والإعلام في الوعي الغربي

4

يشمل الوعي الغربي الأوروبي والأمريكي معا مع اختلاف في الدرجة وليس في النوع، في درجة انتشار السحر، في أمريكة أكثر منه في أوروبة، درجة أثر الإعلام الذي يخلق حقائق وهمية كبديل عن الواقع أكثر مما يكشف عن الواقع نفسه. وهو أكثر منه أيضا في أمريكة عنه في أوروبة؛ فأمريكة بلد العجائب أكثر منها بلد الحقائق، وأوروبة بلد الوقائع أكثر منها بلد الخيال.

ومعرفة الوعي الغربي جزء من معرفة الآخر الذي تعيش الذات في حوار وتفاعل معه، أو في صراع وجدل منذ حوالي ثلاثة قرون، بل إنه أصبح جزءا من الذات عند العلمانيين، نموذجا للتحديث لكل الشعوب.

الغرب هو حصيلة الإنسانية كلها، ويستعملونه في مواجهة الحركات «الأصولية» المدافعة عن الخصوصية، والتي تريد العودة بالتاريخ إلى الوراء.

والمناسبة هي «هاري بوتر»؛ هذه الرواية الخيالية التي وصلت إلى الجزء السابع لكاتبة بريطانية. بدأت مغمورة، وعرضت الجزء الأول على الناشرين بأجر زهيد، ثم سرعان ما ذاعت الرواية وانتشرت، وأصبحت سباعية . توزع مئات الملايين من النسخ في شتى أرجاء العالم، ويقف القراء بالطوابير عدة أيام للحصول على إيصال دفع ثمن نسخة يتم الحصول عليها فيما بعد، مثل طوابير الماء والخبز في العالم الثالث بما في ذلك مصر للحصول على الحاجات الأساسية لحياة البشر. فأصبحت ظاهرة إعلامية فريدة تجاوزت شهرة سمبسون القاتل، والطالب الكوري في كلية الهندسة في فرجينيا الذي قتل ما يقرب من ثلاثين طالبا وطالبة في الولايات المتحدة الأمريكية، وسلمان رشدي الذي كان كاتبا مغمورا ثم أصبح ظاهرة إعلامية بعد رواية «آيات شيطانية»، عندما أصبح أشهر روائي في بريطانية بعد فتوى قتله من إيران لنيله من الرسول، والانتفاضة الفلسطينية الأولى في أوجها، والعالم ينظر إليها بإعجاب ودهشة، وعودة الصورة النمطية للوطن العربي والعالم الإسلامي؛ القهر والكبت والقتل للمفكرين والكتاب، في مقابل ما تنعم به أوروبة من حرية الفكر والتعبير.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٨٣