فالجنس الأبيض الآري هو الذي له حق السيادة على باقي الأجناس السامية الأخرى. ولا يختلف الاختيار العرقي والتفوق في الأجناس عن الاختيار الإلهي الذي غذته اليهودية في صياغتها الصهيونية بعقائد شعب الله المختار، وأرض الميعاد، والمدينة المقدسة، والمعبد والهيكل. وما زال هذا الدافع وراء الغزو المستمر لأوروبة لغيرها، والانتشار خارج حدودها؛ فالعالم كله مجالها الحيوي، وإسرائيل مركزها. والعالم الجديد، أمريكة، خير وريث لها، بلا تاريخ ولا جغرافية. ووقع التنافس بين العالم القديم والعالم الجديد، كل منهما لا يعترف بالآخر في اللاوعي الشعوري، بالرغم من التعاون الخارجي والأحلاف والحروب المشتركة. أوروبة هي التاريخ، والولايات المتحدة هي الجغرافية في نظر الأوروبيين. وأمريكة هي القوة والمركز الجديد لإمبراطورية ممتدة إلى كل أرجاء المعمورة بما في ذلك أوروبة القديمة. أمريكة هي الفتى الشاب الذي يرث أوروبة العجوز، وإسرائيل في قلب الاثنين، والقرابة المشتركة بينهما.
في طريقة الاستقبال والتوديع، ما زال العربي الوافد، الطرف الثاني للحوار، هو الغريب القادم. على وجهه ينعكس العنف والإرهاب والهجرة والبحث عن العمل والرزق والكسب.
وجوده خطر، وحضوره يقضي على الهوية الأوروبية وتماثل أوروبة مع نفسها. حضر كي يتم الحوار، ولكنه حضور مهمش، زائد، لإكمال الشكل، واستيفاء العدد. لا يسمع الأوروبي ولا يريد أن يعرف أو يعي أن العالم يتغير، وأن ميزان القوى يتبدل. لم يعد لديه شيء يقوله. نسي تاريخه، وفقد ذاكرته. يقرأ من ورق، ولا ينظر إلى الآخرين لأنه لا يرى إلا نفسه، ولا يتحدث إلا إلى ذاته. لم تعد له قضية إلا الاستمرار في الصدارة بخلق أساطير جديدة مثل ما بعد الحداثة، والعولمة، وثورة الاتصالات، والعالم قرية واحدة، وصدام الحضارات، ونهاية التاريخ. ومهما حاول الطرف الآخر التوضيح والكشف عن البديل، وفتح آفاق جديدة للتفكير، فإن الرسالة لا تصل. وإن وصلت اندهش الأوروبي من هذا الذي يعيد للأوروبي ذاكرته وهو في بداية عصوره الحديثة، النهضة والتنوير، وكأنه يسمع جديدا، ويعجب بهذا الصوت الحالم البعيد الذي ما زال في بداية الطريق، وما زال أمامه شوط بعيد كي يقطعه. ولا يمثل خطرا مباشرا عليه إلا في الخيال ومعارك الصور الذهنية والبدائل الحضارية.
إن معركة التحرر لم تنته بعد؛ فليس الاستعمار فقط هو الاحتلال العسكري والاستغلال الاقتصادي والتبعية السياسية، بل أيضا الهيمنة الثقافية والسيادة الحضارية؛ فإذا كان المغلوب ما زال مولعا بتقليد الغالب كما لاحظ ابن خلدون، وكما هو مشاهد أحيانا في المغرب العربي، فإن الغالب أيضا لم يتخل عن تصوره للمغلوب؛ أنه كان سيدا عليه في الماضي بالاحتلال العسكري، وما زال سيدا عليه في الحاضر في التنمية والمساعدة الخارجية، وسيظل سيدا عليه في المستقبل نظرا لأبدية العلاقة النفسية والذهنية بين السيد والعبد.
لم تتغير صورة الغالب عن نفسه حتى بعد مرحلة التحرر الوطني واستقلال الشعوب، وصورة المغلوب الذي أصبح غالبا في ذهنه لم تتغير. استبدل بالسيد الغربي السيد الوطني، وبالنهب الخارجي الفساد المحلي، وبالسيادة بالقوة الجبرية السيادة الاختيارية بطلب الحماية، وإقامة القواعد الأجنبية، والمشاركة في التمرينات العسكرية.
ومهما حاول الجنوب التحرر من جديد من هذا الأسر التاريخي، ومهما حاول العربي إثبات وجوده كطرف محاور، إلا أنه سيظل يتحرك في المكان. لقد أخذت أوروبة في بداية عصر نهضتها العلم والحضارة منه وأنكرته، بل وأعطته الهيمنة والاستعمار بكل أشكاله القديمة والجديدة، جزاء سنمار.
ومهما حاول العربي أن يسمع صوته ويبين رؤية الجنوب إلى الشمال في مقابل رؤية الشمال للجنوب، فإن الشمال لا يسمع؛ لأنه لم يتعود على أن يكون موضوعا للرؤية. أوروبة هي التي ترى وتلاحظ وتحلل، وغيرها هو الموضوع. هو الذي أنشأ المتاحف ووضع حضارات الآخر فيه. هو الذي أنشأ الدراسات الصينية والهندية والفارسية والبابلية والآشورية والمصرية القديمة والعربية والإسلامية، أما هو فليس موضوعا للدراسة. لا يوجد متحف لأوروبة؛ فأوروبة ذات وليست موضوعا. ما زالت حية، وباقية إلى الأبد، لا تموت حتى تصبح موضوعا للمتاحف والأثريات.