تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصالونات الثقافية للملوك والأمراء

للعرب باع طويل في الثقافة الشاملة التي تضم العلم والأدب والفن دون السياسة؛ فهي جزء مكون للشخصية العربية. قد يندثر حكم العرب كما اندثر في الأندلس وتبقى ثقافتهم ممثلة في قصر الحمراء، ومسجد قرطبة، ومساجد طليطلة وأسوارها، ومئذنة أشبيلية (الخيرالدا)، والألفاظ العربية التي تحولت إلى الإسبانية وعديد من اللغات الأوروبية.

فقد عرف العرب قديما بأسواق الشعر، عكاظ وغيره، يتبارى فيها الشعراء. كان الشعر العربي مرآة للحياة العربية قبل الإسلام وبعده، ذاكرة العرب الجماعية، ومرآة لحياتهم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ووضعت المعلقات السبع على جدار الكعبة؛ فالشعر مقدس مثل بيت إبراهيم. الشعر دين العرب قبل الإسلام، ودين العرب هو الشعر بعد الإسلام.

واستمر الأمر على ما هو عليه في بلاط الخلفاء والأمراء، وانضم إلى الشعراء الفقهاء والعلماء والفلاسفة وأصحاب النحل والفرق، بل والزنادقة والملاحدة؛ فالدولة منتصرة، ولا خوف عليها من المعارضة الفكرية والخصوم السياسيين. وتندثر الأسر الحاكمة والدول التي سميت باسم ملوكها، وتبقى الصالونات الأدبية وسيرتها وعلماؤها وفقهاؤها.

وفي العصر العثماني احتكر بلاط الخلفاء والأمراء فقهاء السلطان العثمانيون، وبدأ اضطهاد الأصوات الإصلاحية المعارضة، وأصبحت ثقافة الصالونات ثقافة سياسية مبطنة نظرا لضعف الدولة، وحصارها بين خصومها في الداخل، وأعدائها في الخارج. ومع ذلك تمثل السياسة عنصر الانقطاع، في حين تمثل الثقافة عنصر الاتصال.

وبعد قيام الدول الوطنية الحديثة أنشأت وزارات الثقافة مع قلق في أسمائها واستقلالها بين وزارة الثقافة والإرشاد القومي؛ فمهمة الثقافة التربية الوطنية مثل وزارة التربية والتعليم، ووزارة الثقافة والإعلام؛ فمهمة الثقافة تبرير سياسة الدولة من خلال الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، ووزارة الثقافة والتراث القومي تأكيدا على أهمية ارتباط الثقافة بالتراث القومي، خاصة إذا كان تراث فرقة ومذهب، ووزارة الثقافة دون ربطها بغاية أخرى. ومع ذلك ظلت جزءا من جهاز الدولة تعبر عن سياستها، ولا تسمح بالرأي الآخر إلا في حدود غير مؤثرة كما هو الحال في باقي أنشطة الدولة، مثل التعليم والإعلام والدين والسياسة ممثلة في الحزب الحاكم.

ثم تأسست الجمعيات الأدبية والعلمية والفنية والثقافية، وتكونت جماعات الشعر والقصة، والنقد الأدبي والفني والسينمائي، ثم قامت الاتحادات العامة للكتاب والفنانين والأدباء لتساهم في النشاط الثقافي المستقل وإن كانت، طبقا للقانون، تخضع لإشراف وزارة الشئون الاجتماعية، مثل جماعات المسنين والمهاجرين والصعايدة من أجل الضبط الأمني، وليست جزءا من وزارة الثقافة التي قد تعينها ماليا حتى لا ينفصل الجنين عن الأم، ويبقى الحبل السري قائما في علاقة تبعية علنية أو ضمنية.

وفي نهاية المطاف انضم الملوك والأمراء إلى الثقافة مساهمين في نشاطها وحركتها من داخل القصور؛ فيعقد الملك صالونه الثقافي خاصة في رمضان بمناسبة الشهر الكريم، ويسميه باسمه الأول مثل المسجد تيمنا به. ويجتمع مع العلماء، وهم في الغالبية الفقهاء، بالملابس الرسمية، كما هو الحال في حفلات البلاط أو المسرح أو الأوبرا أو في الأفراح والمآتم الرسمية لرجال الدولة والأعمال. ويتناقش الملك مع العلماء، عالما مع عالم، وفقيها مع فقهاء، بالحجة والبرهان؛ فالملك هو العالم الأول، والفقيه الأول، والفنان الأول. وهو ما سماه الفلاسفة قديما العقل الأول أو النفس الكلية. يغلب عليها الثقافة الدينية؛ فالدين هو أساس الدولة، ويعطيها شرعيتها. والملك هو أمير المؤمنين، ورئيس لجنة القدس التي ما زالت محتلة، وإن لم يصل بعد إلى خليفة المسلمين. وقد تتغير الثقافة الدينية إلى ثقافة علمية؛ فقد خرج العلم في تراثنا القديم من الدين، وكان الفقهاء علماء، والعلماء فقهاء؛ ومن ثم يظهر الملك عصريا؛ فالعصر عصر العلم. وتشارك النساء الرجال حتى يبدو الملك عصريا أمام الغرب الذي يتهم الإسلام والمجتمع الإسلامي بالذكورة والتخلف دفاعا عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وضد شبهات تعدد الزوجات والطلاق والميراث وعدم جواز رئاستها للدولة؛ الإمامة الكبرى، وإن جازت لها الإمامة الصغرى؛ الصلاة بالنساء. وقد تكون الغاية من ذلك كله التغطية على النظام السياسي، وما يمثله من قهر وتصفية للمعارضين ، وتحسين صورة الملكية في ذهن الشعب، والدخول إلى القلوب من باب الثقافة والفن بعد أن انسد باب السياسة والحكم. ويقبل فقهاء السلطان المشاركة في هذا «الديكور» الثقافي، ويتقبلون الهدايا والعطايا، وينالون الحظوة والتكريم، والكرم من شيم الملوك، في حين يستبعد فقهاء الشعب وعلماء الأمة الذين يمثلون مصالح الجماعة، ويفتون لصالح الناس. وفي تاريخنا انقسم الفقهاء قسمين؛ الأول نال الخلعة والصرة والمركبة والمنصب، وهم فقهاء السلطان؛ والثاني اعتقل وسجن وعذب وطرد وقتل، وهم فقهاء الأمة. والتاريخ يكرر نفسه.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٧٣