تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصول الحضور ويجول بالفرنسية أكثر من العربية؛ فهو لا يقل حماسا عن المتحدثين. والكل لديه غيرة على العلم والحقائق العلمية حتى وإن غاب الوطن، وينفعل بتلك النظرية أو تلك لإخفاء انفعالاته الحقيقية بواقع الأمة وغياب حرياتها العامة، وديمقراطية الحكم، والتعددية السياسية، وحق الاختلاف، والرأي والرأي الآخر.

وتظهر القدرات اللغوية للفرانكفونيين استجداء لإعجاب الأجانب، واستعلاء على باقي الباحثين الوطنيين الذين ساروا في التعرب نصف شوط، وندموا على ما فعلوا بعد أن ولى عصر العروبة، وكاد يولي عصر الإسلام في حضور العولمة الطاغي في نظم التبعية لأمريكة وإسرائيل. ولعل أحد المسئولين يكون حاضرا فيلمح مثقفا جديدا يمكن تجنيده كمثقف للسلطة، يجمع بين الثقافة والسلطة بدلا من الصراخ في الهواء الذي يفيد فقط في جذب الانتباه وإن لم يفد في توعية الناس.

وكما بدأ المؤتمر الدولي بمبادرة من الرئيس، كذلك ينتهي بإرسال برقية شكر وتأييد للرئيس على رعايته للمؤتمر، وعلى فكرته العبقرية التي لولاها لما عقد مؤتمر، ولا تم نقاش، ولا فتح فم، ولا سمع صوت.

وقبل انفضاض الحفل يكافأ المدعوون بيوم سياحي في آثار الدولة المضيفة، رومانية أو عربية؛ فالقديم له بريقه وإن انطفأ بريق الجديد، والماضي له عظمته وإن ضاعت عظمة الحاضر. ويقبل الضيوف الأجانب الدعوة؛ فالعلم سياحة، والسياحة علم. أما الضيوف العرب فيسارع أكثرهم بالرحيل؛ فالمشاركة في أحد فصول المسرحية أخف وطأة على النفس من المشاركة في باقي الفصول حتى إنزال الشعار وسماع تصفيق الحضور.

كل ذلك نشاط ثقافي مصطنع لا يخرج من القلب، ولا يؤثر في قلوب الناس. إنها ثقافة ملء الفراغ، وحتى يبدو الرئيس إمام المثقفين وليس سجانهم وجلادهم. أهم ظاهرة فيها مشاركة الأجنبي، أولي الأمر بالأمس، ومبادرة الرئيس، أولي الأمر اليوم. والشعب في كلتا الحالتين مأمور بأولي الأمر، مطيع لهم، يقلد الأولين؛ فالمغلوب مولع بتقليد الغالب كما قال ابن خلدون من قبل منظر ثقافة البلاد. ويخشى الآخرين لما للسلطان من رهبة في القلوب، وعسس حول المنازل والقاعات، وبصاصين في المجالس والمنتديات. وتظهر معاملة البسطاء المزدوجة للعربي والأجنبي؛ فالأول بخيل في الإكراميات، والثاني كريم. الأول يدفع بالعملة المحلية، والثاني بالأجنبية. الأول لا يصرف كثيرا في مشروبات ومأكولات إضافية، والثاني ينعم بالحياة. فقد أتى عالما وسائحا. والسياحة المصدر الرئيسي للدخل القومي، وليس الزراعة أو الصناعة كما هو الحال في النفط في الدولة الريعية. ومهما حيا العربي بلغة الضاد قارئا السلام التقليدي أو التحية الحديثة «صباح الخير» و«مساء الخير»، قيل له «بون جور» و«بون سوار» حتى من عاملات النظافة، وخادمي المطاعم، وعاملي المصاعد؛ حتى يكونوا على نفس مستوى الأجنبي؛ فلم يعد للوطن قيمة في ذاته، لا في السياسة ولا في الثقافة، لا في الوطن ولا في الفكر، بالرغم من مشاريع العالم الثالث عن الثقافة الوطنية، وعن الاستقلال الثقافي للشعوب.

فإلى متى يضيع الوقت والجهد والمال في الثقافات الهامشية الخائفة التي تسير بجوار الحائط حتى لا تصطدم به، وتمشي على قشر بيض حتى لا ينكسر، أو على قشرة موز حتى لا تنزلق القدمان؟ أليس الساكت عن الحق شيطانا أخرس؟ ومتى تتحول ثقافة الهامش إلى ثقافة المركز؟ ومتى تصبح الثقافة الخائفة ثقافة المواجهة، وثقافة النظام السياسي إلى ثقافة المقاومة؟ ولماذا يتقدم الآخرون ويتوقف الزمن عندنا، يصنعون مركبة التاريخ، ويحددون مسارها، ونحن نصعد إليها في زمن ليس زماننا، وفي اتجاه ليس اتجاهنا؟ متى تسترد الشعوب وعيها، تتحمل مسئوليتها، وتحمل أمانتها؟

إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (الأحزاب: 72).

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٧٢