تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تنضم زوجات الأمراء لهذه الصالونات الثقافية؛ فالثقافة زينة المجالس وتاج الملوك وصولجان الأمراء، مثل السيوف المعلقة على جنوبهم، والخناجر المدفونة في خواصرهم، مذهبة ومرصعة بالجواهر، ولهم فيها مآرب أخرى.

وظيفة الثقافة بالإضافة إلى الزينة قضاء الوقت؛ فاليوم طويل، وزوجات الأمراء لا يظهرن في الاحتفالات العامة، ولا يصحبن أزواجهن في الأسفار الرسمية، ولا توجد ألقاب «السيدة الأولى». وتقع المنافسة بين زوجات الأمراء والملوك والرؤساء حول الصدارة الاجتماعية، والتسابق نحو خدمة المعاقين والأطفال والمسنين والمحتاجين، ونشر الثقافة بين الناس، وزيادة المدارس وملاجئ الأيتام دون المعذبين والمعتقلين في السجون. والهدف هو التغطية والتعمية عن سياسات ذكورية أخرى تتعاون مع الأجنبي المحتل، وتسمح بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها، ومراكز قيادة لأساطيل في مياهها لضرب جيرانها العرب والمسلمين.

وقد يكون الهدف أقل من ذلك التشدق بحرية الرأي، واحترام الرأي والرأي الآخر، والانفتاح على ثقافات العالم في عصر العولمة، واللحاق بالعصر مثل المباني الشاهقة، والمطارات الدولية الشاسعة، والموانئ الضخمة والشركات العالمية، والتحول من دولة صغيرة إلى دولة كبرى، ومن جزيرة في بحر إلى قارة من القارات. وزهرة الصالون الثقافي في آية من الجمال والأناقة واللباقة، تسر الناظرين، يهرع إلى صالونها المثقفون والأدباء والعلماء لنيل الحظوة والشرف مع العشاء الفاخر في قصر السلطان، وفتح أبوابه مثل قصر الجبلاوي في «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ الذي يهابه الناس، وقد يكون خاويا إلا من شبح يسهل التخلص منه.

الصالونات الثقافية مثل دوائر الحكم للنخبة وليست للشعب. ثقافة عالمة وليست ثقافة شعبية. قد يتم تناول الفن الشعبي والشعر الشعبي كفن شعبي دون أي مردود ثقافي أو سياسي، أو تحليل لأنساق القيم السلبية فيه، والتي هي خير دعامة للنظام السياسي. وقديما غنى أساطين الغناء رجالا ونساء للفنون ورعايتها من الملوك.

لم يتغير الكثير في حياة العرب إبان الثورات العربية الأخيرة على مدى أكثر من نصف قرن من ثقافة صالونات الملوك والأمراء إلى ثقافة الرؤساء، عسكريين من الجيش أو الشرطة من خلال المؤسسات الثقافية التابعة للدول. وما دام الله في التصور سلطانا فإن السلطان في الواقع يتحول إلى إله، ويغني الفنان لمديح الله والسلطان.

المال والثقافة

ازدادت أسعار النفط إلى حد كبير هذه الأيام، ووصل سعر البرميل الواحد حدود المائة دولار، ويتوقع البعض وصوله إلى حدود المائتين إذا ما اعتدت أمريكة أو إسرائيل أو هما معا على إيران، أو إذا ما اعتدت إسرائيل على سورية أو لبنان، أو إذا ما وقع حرب في الوطن العربي لسبب أو لآخر.

وبالرغم من أن قسطا كبيرا من العوائد تعود إلى شركات النفط، وباقي حقوق العرب في البنوك الأجنبية، والأقل منها يستثمر داخل الوطن العربي، إلا أن استثمارات هذه العوائد تقوم بها شركات البناء الأجنبية لأضخم المطارات في العالم، وأعلى البنايات، وأوسع الطرق وأمتنها، وشبكات الاتصالات داخل كل القطر العربي الذي به آباره. وكلها من مظاهر الدولة الحديثة. ولا يتم تخطيط ذلك على مستوى الوطن العربي كله، حمايته لوحدته، وربط مدنه بشبكة طرق سريعة، أو بشركات طيران عربية، أو اتصالات عربية، أو بإعادة البنية التحتية للأقطار الأقل تميزا، أو إقامة مشاريع تنموية مشتركة، خاصة ما يتعلق منها بالغذاء والصناعة والتعليم، حتى إذا ما نضب النفط، فهو سلعة مؤقتة تنفد بمرور الزمن، وجدت صناعات تحويلية بديلة قادرة على توفير العوائد البديلة.

ومن ضمن مظاهر الدولة الحديثة المشاريع الثقافية؛ فلا دولة بلا ثقافة، ولا ثقافة بلا عصرية، ولا عصرية بلا تعرف على أهم الإبداعات الثقافية للعصر عن طريق الترجمة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٧٤