تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلاميون يكفرون العلمانيين، والعلمانيون يخونون السلفيين. استطاع حزب العدالة والتنمية بما لديه من خبرة في العمل السياسي ووعي حضاري تحييد الجيش والحوار معه، وإقناعه بأن الإسلام الحضاري يقوم على القيم العلمانية، وأن القيم العلمانية في حقيقتها قيم إسلامية احتكرها الغرب وجعلها ضد الدين، وهي في الإسلام نابعة منه. كما استطاع التخفيف من حدة الإسلاميين السلفيين، وإقناعهم بالإسلام الحضاري القادر على الدخول في العالم أكثر من الإسلام الحرفي النصي العقائدي الشرعي المؤسسي.

وفي نفس الوقت تم الحوار مع دول الجوار العربي والإيراني والآسيوي، والابتعاد عن المحور الإسرائيلي بالرغم من قضية الأكراد. وما زال يصر على الانضمام للاتحاد الأوروبي، والاستجابة إلى مطالبه فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان، وبعض أحكام الشريعة الخاصة بالقصاص، دون التفريط في الرموز الحضارية كغطاء الرأس. وهي رموز موجودة في كل ملة ودين، وتميز كل ثقافة وحضارة. وكذلك الإبقاء على المدارس الدينية أسوة بالمدارس الخاصة الأجنبية الفرنسية والإنجليزية والألمانية. لم تضع لفظ الإسلام كاسم للحزب أو علامة عليه، بل «العدالة والتنمية»، وهما قيمتان إسلاميتان؛ العدل الذي قامت على أساسه السموات والأرض ونظم الحكم، وإمام كافر عادل خير عند الله من إمام مسلم ظالم، والعدل هو الشرط الأول للإمامة قبل القوة عند بعض الفقهاء.

والتنمية إعمار الأرض، وتحويلها من صحراء قاحلة صفراء، هشيم تذروه الرياح، إلى أرض زراعية خضراء، أصلها ثابت وفرعها في السماء كما يصور القرآن. والتنمية الصناعية أيضا؛ تليين الحديد واستعمال النار؛ أي الطاقة، جعل تركية قلعة صناعية وعمرانية يشهد لها الجميع. وعلى الصعيد الداخلي، وبما لها من رصيد شعبي، تحاول تغيير الدستور حتى يكون انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبي المباشر. وتحاور الأكراد اعترافا بحقوقهم في إطار من وحدة الأراضي التركية والعراقية والسورية والروسية؛ فليست الدولة الوطنية ذات العرق الواحد هو النموذج الوحيد للكيان السياسي. ومعظم الدول تحتوي مللا وأعراقا مختلفة مثل سويسرا، وكما قرر ذلك دستور المدينة.

وبدأ المغرب العربي حياته السياسية بحزب الاستقلال الذي يجمع بين الوطن والعروبة والإسلام. وهو القاسم المشترك في المغرب العربي الكبير كله دون أن تتدخل القومية كحاجز أو مانع أو نقيض للوطن والإسلام، كما حدث في الشام كرد فعل على الخلافة العثمانية أولا، والقومية الطورانية ثانيا في تركية. وبفضل حزب الاستقلال نال المغرب استقلاله السياسي من فرنسة بفضل علال الفاسي ورفاقه، ثم تكون في رحم حزب الاستقلال اتحاد القوى الشعبية، ثم الاتحاد الاشتراكي كجناح يساري يضيف إلى الوطن والعروبة والإسلام التقدم والعدالة والتنمية.

وحدث تداول للسلطة من حزب الاستقلال أولا إلى الاتحاد الاشتراكي ثانيا. والفقر والبطالة ما زالا مستمرين، ثم نشأت الحركة الإسلامية السلفية لتنافس الاثنين، وتمارس بعض أجنحتها السرية العنف السياسي، ودون حوار وطني بين الحزبين، ثم نشأ حزب العدالة والتنمية كجسر بينهما باسم الإسلام المستنير، أو الإسلام الاجتماعي، أو الإسلام الحضاري، أسوة بالتجربة التركية. ولما كانت التجربة ما زالت وليدة، ونقصها الحوار الخصب الجاد مع الحزبين السابقين، لم تستطع الحصول على الأغلبية البرلمانية في الانتخابات الأخيرة. وراود الناس الحنين لحزب الاستقلال الذي قاد حركة التحرر الوطني دون الحصول على الأغلبية إلا بالتحالف مع الجبهة الشعبية، أو الاتحاد الاشتراكي، أو كليهما معا. وهو القادر على الدخول في حوار مع الحركة الأمازيغية كما فعل حزب العدالة والتنمية في تركية مع الأكراد. لم يجعل الإسلام عنوانا له، بل العدالة والتنمية، قيمتان إسلاميتان علمانيتان في نفس الوقت مثل مقاصد الشريعة، وهي الضروريات الخمس؛ الحياة والعقل والدين أي القيمة، والعرض أي الكرامة، والمال أي الثروة الوطنية. وقد تم هذا بفضل الملكية المستنيرة والحكم الدستوري والتعددية السياسية الذي كان حلم الحركة الإصلاحية منذ الأفغاني حفاظا على الوحدة الوطنية، أرضا وشعبا.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٦٠