ولقد استطاعت ماليزيا خوض نفس التجربة التركية المغربية دون مدخل أيديولوجي، سلفي أو علماني، بل بالتوحيد بين الإسلام والوطن. والبداية ببناء الدولة الوطنية الحديثة، وصياغة مشاريع تنموية زراعية وصناعية جعلتها في معدلات التنمية الثانية بعد الصين. التكنولوجيا قبل الأيديولوجيا، ونحن في الوطن العربي ما زلنا في الأيديولوجيا قبل التكنولوجيا. ما زلنا في حالة استقطاب شديد بين السلفية والعلمانية، مع غياب حوار جاد بين الجناحين، وغياب الحوار شبه التام مع الدولة. وكل محاولة لإقامة الجسور، مثل حزب «الوسط» في مصر، وحزب «النهضة» في تونس، بل والصياغات الأخيرة لبرامج الإخوان في مصر والأردن ولبنان واليمن، وتأكيدها على الدولة المدنية، والتعددية السياسية، والحرية والديمقراطية، متجاوزة الحاكمية وتطبيق الشريعة، تلقى آذانا صماء من نظم الحكم باعتبارها منافسا خطيرا لها في حالة انتخابات حرة يخسر فيها الحزب الحاكم. ما زال الصراع على السلطة هو المحرك الأول، وليس جبهة الإنقاذ الوطني التي يشارك فيها الجميع. وشتان ما بين حزبي العدالة والتنمية في تركية والمغرب، وحزب التنمية والعدالة في دارفور غرب السودان؛ بين نظرة توحيدية للوطن، ونظرة تجزيئية له.
تستطيع التجربة التركية والمغربية أن تساعد مصر وليبيا والجزائر وتونس والسودان وسورية وشبه الجزيرة العربية في الوسط والأطراف على خوضها تحديثا للإسلاميين، وإخراج النخبة العلمانية من عزلتها، وإيجاد مخرج لأزمة الحكم. ومصر حلقة اتصال بين تركية شمالا، والمغرب غربا، وشبه الجزيرة العربية وماليزيا شرقا، والسودان جنوبا. ولها لدى شعوبها رصيد من الحضارة والتاريخ.
الدين والثقافة والسياسة في رمضان: عتاب على الإعلام العربي
7
انقضى شهر رمضان. واسترجاع حوادث الشهر الكريم وسلوكياته جزء من مراجعة النفس والنقد الذاتي وتحسين الأداء عاما وراء عام، وعدم تكرار الأخطاء أو الاستسلام للعادات.
وما يدعو للتأمل والعجب وضع الدين والثقافة والسياسية في الإعلام العربي، خاصة في مصر، في شهر رمضان، في الصحافة والإعلام، المسموع والمرئي، المدون والشفاهي؛ ففي الصحافة تلغى صفحات التحليل السياسي وصفحات الثقافة، وتتحول إلى صفحات دينية يفتي فيها المشايخ والأطباء؛ فيتحول العام إلى خاص، وقضايا الأمة الكبرى وما تعم به البلوى إلى قضايا جزئية خاصة بالطعام والشراب وأنواع الغذاء والاختيار بين أفضله، والفقير يصارع كل يوم في طوابير الخبز للحصول على الرغيف المدعم الذي يشتريه الغني لإطعام مواشيه ولإقامة موائد الرحمن. بعد الدين عن الهم اليومي ومناظر دماء المسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والسودان، واقتصر على الغذاء كالحيوان. ابتعد الدين عن أزمة العصر الكبرى، احتلال أراضي المسلمين، والذي كان السبب الأول في الحركات الإصلاحية، وقيام حركات التحرر الوطني باسم الإسلام والعروبة والوطن. وفي نفس الوقت تزرع إسرائيل المستوطنات وتتوسع فيها، وتقام القواعد العسكرية الدائمة في العراق، ويزداد تدخل القوى الأجنبية في السودان والصومال. والإذاعة تغني «أهلا رمضان»، «رمضان جانا وفرحنا له»، وإذا قارب على الانتهاء «والله لسه بدري يا شهر الصيام» حزنا على فراقه. واستعدوا لأغان نمطية أخرى «أهلا، أهلا بالعيد» مع أطفال الشهداء والثكالى. والبعض يقول في سره مع المتنبي: «عيد بأية حال عدت يا عيد؟»
وانقسمت الأمة إلى قسمين؛ قسم يجاهد ويقاوم ويستشهد ويحاصر ويتظاهر من أجل يوم القدس العالمي في فلطسين ولبنان وإيران، وقسم يقف في طوابير الخبز واللحم والكنافة والقطايف، أو يشاهد بالساعات المسلسلات الرمضانية التي يستعد لها التليفزيون شهورا قبله مع إعلان حالة الطوارئ. ويتأسف المشاهدون لغياب الفوازير نقصا في النجوم وليس نقصا في المال والرجال. يتم التخلي عن قضايا الأمة وما يهددها من مخاطر خارجية لصالح فتاوى رمضان على مدى شهر كامل، مع أن غزوة بدر كانت في رمضان، وحرب أكتوبر كانت في رمضان، وأجلت أمريكة عدوانها على العراق حتى مارس احتراما لشهر الصيام؛ فإراقة دماء المسلمين حرام في رمضان، حلال قبل شهر الصيام أو بعده.