تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها. التناقض بين السلفيين والعلمانيين تناقض فرعي في الداخل، والتناقض بين الوطن وأعدائه في الخارج، أمريكة والصهيونية، وفي الداخل، القهر والفساد، تناقض رئيسي. إن الحرص على وحدة الأوطان مشروط بوحدة الداخل في مواجهة الخارج

أشداء على الكفار رحماء بينهم (الفتح: 29)، والسلطة ليست للحكومة أو للمعارضة، بل للشعب والتاريخ.

العدالة والتنمية في تركية والمغرب

6

العدالة والتنمية ليسا اسمين لحزبين سياسيين في تركية والمغرب نجحا في الانتخابات الأخيرة في المرتبة الأولى في تركية، وفي المرتبة الثانية في المغرب، بل هما تجربتان حضاريتان تاريخيتان نهضويتان حديثتان استرعتا انتباه العرب والمسلمين، الخاصة والعامة، في الداخل والخارج. أسعدتا أصحاب الحوار ومد الجسور والاعتدال، وأشقيتا أصحاب المواقف الحدية الأيديولوجية؛ إسلامية سلفية، أو علمانية غربية.

هما تجربتان رائدتان ليس فقط سياسيا، ممارسة للديمقراطية، بل أيضا حضاريا، كيفية التعامل مع التاريخ والتراث الوطني للشعوب. التعددية السياسية بلا حدود، وحرية الاقتراع بلا قيود أو تدخل من الحاكم أمام سمع وبصر الجميع. تشهد على أن العرب والمسلمين يعرفون كيف يمارسون الديمقراطية دونما حاجة إلى فرضها من الخارج على أسنة الرماح وبالغزو العسكري المباشر.

لم تعد نتيجة الاقتراع 99,9٪ في المائة لصالح المرشح الأوحد، بل تكفي الأغلبية النسبية التي تقل عن 50٪ من مجموع الأصوات؛ مما لا يسمح بالانفراد بالحكم إلا عن طريق تحالف عريض وجبهة وطنية تجمع باقي التيارات السياسية، أو على الأقل التالي في الأغلبية، بحيث يكون الحكم بمجموع الثلثين، أكثر أو أقل.

وبالرغم من أنهما تجربتان سياسيتان منفصلتان إلا أنهما تدلان على واقع واحد، وهو إمكانية تجاوز الاستقطاب الحاد بين السلفيين والعلمانيين، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وحماية الوطن من جماعات العنف والتهميش السياسي والكبت النفسي والفكري للحركات السرية. تركية دولة إسلامية غير عربية، والمغرب دولة إسلامية عربية، يتشابهان في التجربة السياسية الحضارية كما أفرزتها الانتخابات الأخيرة.

لقد خضع تاريخ تركية الحديث لقانون الفعل ورد الفعل، فكانت الثورة الكمالية رد فعل طبيعيا على انهيار نظام الخلافة التي أدت إلى احتلال اليونان لتركية حتى مشارف أنقرة، ووصف الغرب للدولة العثمانية أنها الرجل المريض.

فكان من الطبيعي أن ينهض الضابط الشاب بروح وطنية والاستقلال للقضاء على رمز التخلف الداخلي وتحرير الوطن من الاحتلال الخارجي. ونظرا لأن نظام الخلافة العثمانية بما يمثله من تخلف وقهر كان يحكم باسم الإسلام، وكان الغرب يتقدم باسم العلمانية والتحديث، كان من الطبيعي أن يصبح الغرب نموذجا للتحديث، وتلغى الخلافة، وتتبنى تركية القيم العثمانية؛ العقل، والعلم، والتقدم، والحرية، والديمقراطية، والمساواة، والعدالة، وهي قيم إسلامية في جوهرها؛ عند المعتزلة أنصار التحسين والتقبيح العقليين، وعند المالكية أنصار أن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وعند ابن رشد في النظر العقلي والانفتاح على الأخرين والتأسيس الأخلاقي للشريعة، بل وعند الصوفية الذين كانوا يجاهدون الاستعمار في الزوايا والرباط مثل السنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان.

وعلى مدى نصف قرن خف رد الفعل، واسترجع الوعي التركي تاريخه الطويل وتراثه الممتد في أعماق الشعور؛ فحدث رد فعل آخر على الكمالية الأولى ممثلا في حزب الرفاه، والعودة إلى الحمية الإسلامية، وربما إحياء الخلافة. وامتدت سياسة تركية الخارجية إلى الوطن العربي من جديد وإلى أواسط آسيا لتثير الخيال القديم والحلم المستقبلي عن وحدة الأمة في عالم متعدد الأقطاب، «الإسلام هو الحل»؛ فحدث رد فعل آخر من العلمانيين، ويمثلهم الجيش، ضد التيار الإسلامي الأممي؛ فقضي على التجربة، وحرم على رئيس الحزب العمل السياسي، ثم أصبحت الحركة الإسلامية أكثر وعيا في حزب الفضيلة، ثم حزب العدالة والتنمية جمعا بين الفعل ورد الفعل. واستطاع تهدئة مخاوف العلمانيين من الإسلام السلطاني، وتهدئة مخاوف الإسلاميين من العلمانية الجذرية التي هي في الحقيقة سلفية مضادة؛ فكلاهما يعتقد بأنه الفرقة الناجية، والآخر هو الفرقة الضالة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٥٩