تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكما أن كل تحد له استجابة، فكذلك كل إهانة لها تحد،

ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (الإسراء: 51).

الاتجاه المعاكس أم الاتجاه المغاير؟

2

من أهم البرامج الإعلامية الذائعة الصيت في أهم القنوات الفضائية العربية التي أحدثت قفزة إعلامية في الإعلام العربي، والذي يراه الملايين من العرب، برنامج «الاتجاه المعاكس»، وهو من حيث الشهرة والذيوع له كل التقدير، يثير الذهن، ويدفع إلى التفكير، ويحرك المياه الراكدة في ثقافة غلب عليها الرأي الواحد، والفرقة الناجية، والإعلام الحكومي.

يفضح المواقف التي تقبل التطبيع مع إسرائيل، والتي تود تكرار النموذج العراقي، الغزو الأمريكي، تخليصا للوطن العربي من النظم التسلطية، وتحريرا له من القهر والطغيان. ويكشف عن أهداف الليبرالية الجديدة التي تريد وراثة الليبرالية القديمة التي سادت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والقومية العربية والاشتراكية التي حملتها ثورات الضباط الأحرار في النصف الثاني منه. كما يتمتع بحيوية فائقة تشد الأنظار إليه، وتجعل المواطن العربي يثق بإعلامه بعد أن أشاح بوجهه عنه؛ لأنه تعبير عن النظم السياسية التي يعاني منها الأمرين، والتي تبدأ بأخبار الرئيس وحرم الرئيس وكل رجال الرئيس.

تتمثل فيه القدرة على الهجوم والدفاع والجدل والسجال والتوثيق والاطلاع على آخر التقارير والمقالات لتدعيم وجهتي النظر، ويتعرض للموضوعات التي تختلج في قلب كل عربي، والتي لا يجرؤ الحديث عنها بصوت عال مسموع؛ الغزو الأمريكي للعراق، نفط العراق، المقاومة العراقية، تدمير العراق، فتح وحماس، مؤتمرات القمة العربية، القدس ... إلخ.

أصبح البرنامج الرئة التي يتنفس بها كل عربي في عصر بلغت فيه القلوب الحناجر، والعقل الذي يفكر به كل عربي في زمن ساد فيه الإعلام الرسمي، ورفعت الشعارات في بعض المطارات: «لا تفكر، نحن نفكر لك.» والعين التي يشاهد بها كل عربي في وقت غمضت فيه الأعين، والأذن التي يسمع بها كل عربي بعد أن صمت الآذان بالرغم من علو الضجيج وشدة الصخب، وسيادة الضوضاء.

ومع ذلك قد ينتهي «الاتجاه المعاكس» إلى عكس ما يهدف إليه. وبقدر ما يحقق من نجاحات يحقق من إخفاقات، وبقدر ما يعطي الزهو بالإعلام العربي يسبب الإحباطات في النفس العربية بعد أن اختلف الرفاق، وتقاتل المتخاصمون، وتلاعن المختلفون، دون وحدة تجمعهم إلا شد الأيادي من الأخ مقدم البرنامج بعد أن كادا يتشابكان بالأيدي وهو يفرق بين المتقاتلين .

لا توجد نقطة التقاء بين الاتجاهين المتعاكسين، أحدهما ضد الآخر ونقيضه. يهدم الأول ما يبنيه الثاني، ويهدم الثاني ما يبنيه الأول. ويبدو المثقفان العربيان وكأنهما لا ينتسبان إلى وطن عربي واحد، بل وإلى قطر عربي واحد. أحدهما أمريكي غاز، والآخر وطني مقاوم. الأول إسرائيلي تطبيعي، والثاني مناضل يبغي الشهادة. الغاية الهدم المتبادل للشيء ونقيضه، والاستبعاد والإقصاء. وقع في ثنائيات حادة بين البطولة والخيانة، والوطنية والعمالة، والحق والباطل، والصواب والخطأ، والخير والشر، والملاك والشيطان. ويشتد الاستقطاب بين الفريقين المتنازعين؛ هذا سلفي وذاك علماني، ولا سبيل للالتقاء بينهما في الإسلام المستنير. هذا مقاوم للتطبيع وذاك من أنصاره، ولا سبيل للالتقاء بينهما في مبادرة السلام العربية؛ الأرض مقابل السلام. فيصبح الحوار حوار الطرشان، ويزيد من كب الزيت على النار، ويكون أشبه بنقار الديوك، كل من الفريقين ينقر الآخر في رأسه حتى يسيل دمه.

وتتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، بالصدامية والأمريكية، بالقهر والاحتلال. ويصل الأمر إلى التجريح الشخصي، وإعلان السيرة الخفية لكل طرف، والكشف عن سلوكه؛ فالأمر ليس فقط اتجاها معاكسا، بل سلوك نقيض. ويظهر المفكرون والمثقفون كأبطال إعلاميين مثل مشايخ الفضائيات، وينالون من الشهرة الكثير من شهرة البرنامج. ويفسح المجال للصحفيين والكتاب ليزدادوا شهرة بعد أن عزت القراءة لحساب المشاهدة. ويظهر كل طرف قدراته الشخصية في الهجوم على الآخر، والدفاع عن النفس، واتهام الغير، وتبرئة النفس. ويضيع الموضوع لصالح الشخص، ويقضى على الموضوعية لصالح الذاتية، ويتحول الفكر كله إلى ثنائيات متعارضة متضادة كما هو الحال في المانوية القديمة التي لا يلتقي طرفاها؛ النور والظلمة، والفضيلة والرذيلة. وهو عكس ما يهدف إليه التوحيد في لقاء الأطراف؛ الله والعالم في العناية، الدنيا والآخرة في العمل الصالح، الخير والشر في النفس، الأصل والفرع في القياس، الصواب والخطأ في الاجتهاد. وفي المواقف الحدية يلتقي الطرفان في الباطن وإن تناقضا في الظاهر؛ فكلاهما إطلاقي، كل منهما يمثل الفرقة الناجية، والآخر الفرقة الهالكة. وهو ما تعاني منه الثقافة بسيادة الرأي الواحد، وما تعاني منه السياسة بسيادة الحزب الحاكم، والبقاء في السلطة مدى الحياة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٦