تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتم تهديد سورية ولبنان وإيران كل يوم؛ فسورية تؤيد المقاومة في العراق وطريق إيصال الأسلحة إلى حزب الله في جنوب لبنان، وترفض الصلح مع إسرائيل، والجولان محتل، وهي آخر من تبقى من النظام العربي القديم والمشروع القومي العربي في مناهضة الاستعمار والصهيونية في الخارج، وتحقيق الوحدة والاشتراكية في الداخل. والمطلوب من المقاومة في لبنان نزع السلاح وجزء من التراب الوطني ما زال محتلا، ومطلوب أيضا التخلي عن القضية الفلسطينية والهم العربي، وأن تكون جزءا من المشروع الأمريكي الصهيوني للبنان والوطن العربي. وتهدد إيران لأنها تجرأت على الدفاع عن إرادتها الوطنية، وحقها في امتلاك الطاقة النووية حتى للأغراض السلمية، وأربعون دولة تمتلك هذه الطاقة، ومن دول الجوار من حولتها إلى سلاح نووي في إسرائيل والهند وباكستان وكوريا في الشرق، وأمريكة لا تهددها بالعدوان طبقا للمعيار المزدوج الذي يمارسه الغرب في سياساته الداخلية بين البيض والسود، بين المواطنين والمهاجرين، وفي سياساته الخارجية بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية. ويطالب لبنان بقبول محكمة دولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء السابق تحقيقا سياسيا، وليس جنائيا، مع تجاوز نظام القضاء اللبناني. وفي نفس الوقت تتم تبرئة دولة صربية من جرائم البوسنة والهرسك، وذبح الآلاف من المسلمين في المناطق الآمنة التي أعلنتها الأمم المتحدة. ولا يتم التحقيق دوليا في اغتيال عالم الذرة المصري المشد، ولا في وقوع الطائرة المصرية المدنية بالقرب من نيويورك، ولا في اغتيال إسرائيل لأبي جهاد في تونس، أو أبي عمار في رام الله، أو في مقتل مئات من المصريين العزل الأسرى في سيناء في عدوان 1967م، أو في العدوان الأمريكي على العراق وأفغانستان، أو الإسرائيلي على فلسطين، أو الروسي في الشيشان، أو الهندي على كشمير.

تستمر الإهانات بخضوع النظم السياسية لإرادة الأجنبي المحتل، مثل تأييد خطة بوش الأخيرة لتحقيق الأمن في العراق، والمقاومة تزداد كل يوم وتشتد، وتقبل دول عربية مركزية أن تكون طوقا للاعتدال ضد مخاطر نظم عربية أخرى أو مع دول الجوار متهمة بالتطرف؛ فيقسم الوطن العربي إلى محاور ومناطق نفوذ طالما قاومها في تاريخه الحديث قبل الثورات العربية في النصف الأول من القرن العشرين، أو بعدها في النصف الثاني منه. وأخيرا نشأ طوق آخر من دول سنية لإحكام الطوق حول الدول الشيعية لقسمة العالم الإسلامي قسمة داخلية، بدلا من مواجهة العدوان والهيمنة الخارجية. وتحولت دول الطوق من حصار إسرائيل إلى حصار إيران.

تستمر الإهانات وتزداد يوما وراء يوم، فيتعود عليها المواطن فيقبلها، ويستسلم لها، ويعتبرها القاعدة وليس الاستثناء، وتتأثر نفسية الشعوب وتفقد احترامها لذاتها، وتتعود على الإهانة وهي تصارع من أجل لقمة العيش وغريزة حب البقاء، وتتحول الإهانات المتكررة إلى ذاكرة جماعية، وتخلق وعيا تاريخيا بالرضا والقبول والاستكانة والاستسلام للأمر الواقع، ويصاب بالفتور واللامبالاة كما وصف الكواكبي في «أم القرى»، وينعزل المواطن والشعب عن العالم، وينكمش على ذاته، ويتحول إلى محميات كما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة، بعد أن تعود على العجز، ووجد مهربا له وخلاصا في الطرق الصوفية وقيم الفقر والصبر والرضا والتوكل والقضاء والقدر والاستسلام.

ومع ذلك فالكرامة الإنسانية والاحترام الذاتي جزء لا يتجزأ من الوجود الإنساني، يحميه من الضياع والاندثار. يتمسك به بالقلب وإن استعصى الكلام باللسان أو التغيير باليد، يظهر في مقاومة المثقفين الوطنيين ومظاهرات الطلاب، ويندلع بين الحين والآخر في الحركات الشعبية للعمال والنقابات والاتحادات، وينفجر في الانتفاضات الشعبية مثل انتفاضة الخبز في يناير 1977م، وانتفاضة الفقر للأمن المركزي في يناير 1986م، ويتفجر في الثورات الوطنية مثل ثورة عرابي في 1882م، وثورة 1919م، وثورة يوليو 1952م.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٥