تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخطورة تساوي الطرفين، الشيء ونقيضه، لا غالب ولا مغلوب؛ مما يوقع المواطنين في الحيرة. لكل طرف حججه ومنطقه؛ الفلسطيني والإسرائيلي، العراقي الوطني والعراقي الأمريكي؛ مما يصيب المشاهد بالحيرة واليأس، فيتوقف عن التفكير والفعل، أو يأخذ جانبا ضد آخر، فتنشق الأمة إلى فريقين متصارعين، ويزداد تقسيمها وتفتيتها وتفرقها وتشيعها إلى فرق وأحزاب متناحرة.

وتستعمل كل أساليب الإقناع اللغوية والحركية؛ فقد تحول البرنامج إلى مسرحية تشد الانتباه، وأحيانا إلى سيرك بين المتقاتلين المتناطحين، يتفوق فيها البطل على خصومه، ويهزم فيها الخير الشر. ويخشى من ذلك على سؤال: أين المعركة؛ في الذهن أم في الواقع؟ على المسرح أم في الميدان؟ في «التليفزيون» أم على الأرض؟ وقد يشيع ذلك في المشاهدين الرغبة في الانتصار، والتوق إلى النصر؛ تعويضا عن الإحساس بالهزائم المتكررة منذ 1948م؛ احتلال فلسطين، حتى 2003م؛ احتلال العراق، والعجز عن المشاركة وصنع النصر. قد تعطي الإحساس بالطمأنينة بأن العرب أصحاب معارك، وهو يسمع «يا أهلا بالمعارك!» وأنها معارك متساوية بين الأطراف. المهم أن يشد الحيل لمزيد من الكلام والبلاغة وحسن القول وقوة الإقناع؛ مما دفع بأحد المستشرقين المعاصرين إلى الحكم على العرب بأنهم «ظاهرة صوتية».

أليس من الأفضل منطق الحوار، وآداب الحوار دون تكفير طرف لطرف أو تخوين طرف لطرف

وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (سبأ: 24)؟ أليس من الأفضل الوصول إلى الحد الأدنى من الاتفاق بين فرقاء الوطن الواحد وهو الوطن؛ فالوطنية هي الحل، وليست الاختيارات السياسية المسبقة، أو المصالح الشخصية غير المعلنة، أو الأهواء والانفعالات التي تخفي الهويات البديلة الطائفية أو العرقية في غياب الهوية الوطنية أو القومية؟ ولصالح من شق الصف الوطني، وضرب الاتجاهات الفكرية والاختيارات السياسية بعضها بالبعض الآخر، وزيادة الفرقة والتشتت وهي سمة الآخرين

بأسهم بينهم شديد (الحشر: 14)، وليس سمة المواطنين

أشداء على الكفار رحماء بينهم (الفتح: 29).

إن التعددية السياسية والفكرية لا تعني التضارب والتناقض والتناطح، بل السماح بأكبر قدر ممكن من المداخل النظرية للموضوع العملي الواحد؛ فالحقيقة النظرية وجهة نظر، رأي، منظور ، رؤية، في حين أن الحقيقة العملية، تحقيق المصالح العامة، واحدة. على هذا الأساس أجمع الفقهاء على أن الحق النظري متعدد، والحق العملي واحد، «كلكم راد وكلكم مردود عليه.» وكان الرسول

صلى الله عليه وسلم

يقول لأبي بكر: «يا أبا بكر، انزل قليلا. وكان يقول لعمر: يا عمر، اصعد قليلا.» فقد كان أبو بكر يتمسك بالنص والمبدأ، وعمر يدافع عن الواقع والمصلحة.

إن أحد أسباب المواقف الحدية هو الانفعال والهوى، وأحد أسباب المواقف التوحيدية هو العقل والواقع. أيهما أفضل إذن؛ الاتجاه المعاكس أم الاتجاه المغاير؟ فالمعاكس مناقض ونقيض في النظر وفي العمل، والمغاير مجرد خلاف في النظر دون خلاف في العمل.

القهر الاجتماعي

3

تتعدد أنواع القهر كما تتعدد أسباب الموت، والنتيجة واحدة؛ فالموت موت نفسي. وأشهر أنواع القهر هو القهر السياسي، علاقة الحاكم بالمحكوم في نظم الحكم التي تقوم على التسلط وكبت الحريات العامة، والتفرد بالقرار، وهو ما سماه ابن رشد «وحدانية التسلط». كما تقوم على تزييف الانتخابات، وأجهزة الأمن، وقوانين الطوارئ، والاعتقال والسجن بلا محاكمة. وهي النظم الأيديولوجية التي تحكم باسم الحقيقة المطلقة، دينية أو سياسية، الفرقة الناجية الواحدة التي في الحكم في مقابل الفرق الضالة الهالكة التي في المعارضة.

وهناك القهر الديني والثقافي، ويقوم على إجبار الناس على الإيمان بعقائد دينية، سنية أو شيعية، أو سياسية معينة، اشتراكية أو قومية، نازية أو فاشية، كما حدث في التاريخ بإجبار الناس على القول بخلق القرآن، أو انبساط الأرض دون كرويتها، أو مركزيتها ودوران الشمس حولها، وإجبار الناس على اتباع تأويل معين للنص الديني، أو التضييق عليهم في السلوك اليومي باسم تطبيق الشريعة، بل ويحدث ذلك أيضا في الفنون والآداب، وليس فقط في العلوم والديانات، وإجبار صغار المبدعين على اتباع مذهب معين في الفن والأدب.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٧