والدفاع عن الاستقلال الوطني والإرادة الوطنية مشهود له في إيران وتركية دون مصر. والطريق الثالث، الإسلام المستنير، مشهود له في تركية دون إيران ومصر. ومصر ما زالت الدولة القاعدة في محيطها العربي، ما يحدث فيها له ردود فعل في مائتين وخمسين مليون عربي دون إيران وتركية. وإن مجموع سكان الدول الثلاث ما يقارب من مائتي مليون. مواردها الطبيعية وإنتاجها الصناعي وتراثها الإسلامي المشترك يجعلها تجمعا إقليميا مركزيا قادرا على تجميع دول الجوار العربية والإسلامية توسيعا لمفهوم القومية العربية.
من السهل مواجهة التحديات الخارجية وتجميع الشعوب حوله كما حدث إبان حركات التحرر الوطني، ومن الصعب الوقوف أمام المخاطر الداخلية كما حدث بعد حركات التحرر الوطني والنزاع على السلطة بين رفقاء النضال بالأمس القريب. ويروى أن جهاد النفس أصعب من جهاد العدو لو صحت الرواية. لقد أتت الثروة والثورة للعرب والمسلمين، ولم يستعدوا لها بعد؛ فبددوا الثروة، وانقلبوا على الثورة. وفي التاريخ ضحى يهوذا بالسيد المسيح في مواجهة اليهود والرومان.
الدين ورجال الأعمال
العلاقة بين الدين والنشاط الاقتصادي عامة، والتجارة خاصة، معروفة عند علماء الاجتماع، كما فعل ماكس فيبر في دراسته الرائدة منذ حوالي قرن من الزمان «البروتستانتية وروح الرأسمالية»، مؤكدا على وجود علاقة بين القيم والأخلاق البروتستانتية من ناحية، وازدهار النشاط التجاري في البلدان والمناطق البروتستانتية في ألمانية وفرنسة من ناحية أخرى، الصلة بين القدر والرزق، بين الإيمان والنجاح، بين التقوى والكسب.
ولا يحتاج العربي إلى هذا التنظير وهو يلاحظ هذه العلاقة في الحياة اليومية في مجتمعه. وقد ضربت النماذج من قبل بشركات توظيف الأموال، واستعمال آيات مثل
وأحل الله البيع وحرم الربا (البقرة: 275)؛ من أجل تجميع أموال الناس، أغنياء لمزيد من الكسب، وفقراء من أجل عائد سنوي أو شهري صغير بدافع الإيمان، وبدعوى المشاركة في الربح والخسارة، وليس في الربح فقط كما هو الحال في البنوك الربوية، وللاطمئنان على دخل شهري حلال ثابت ضد البطالة والجوع. وتضارب هذه الشركات وتستثمر رءوس أموال المسلمين في البنوك الربوية للحصول على ربح سريع، وفي الغالب دون زيادة في الإنتاج، أو إتاحة فرص للعمل ضد البطالة، أو تنمية اقتصادية، أو بشرية في مشاريع كبرى.
وازداد الأمر في العقود الأخيرة باستعمال الإسلام كوسيلة ناجحة للربح، والنجاح التجاري باستعمال اسم الإسلام أو مشتقاته العقائدية أو التشريعية، كأسماء لمحلات تجارية كبرى مثل «التوحيد والنور»، «الإيمان»، أو «الإخلاص». ولما كان الهدف هو التجارة الداخلية والخارجية للاستفادة من العولمة يصبح اسم الشركة «إسلامكو». وتنتشر محلات الملابس الأنيقة بأزيائها وألوانها وجواهرها البراقة باسم «الحجاب» أو «الزي الإسلامي» أو «المايوه الشرعي» الذي يبرز قسمات الجسم مثل باقي «المايوهات» غير الإسلامية التي تبرز مفاتنه. وتكثر إذاعة الشرائط الدينية في المحلات العامة، إما القرآن الكريم، أو الحديث، أو شرائط الوعظ والإرشاد من مشايخ الفضاء أو الدعاة الجدد لإضفاء جو إسلامي على الأسعار، ومحو الشك في غلوها والمغالاة فيها؛ فالمسلم لا يغش ولا يحتكر ولا يستغل. ونافست شركات المحمول في وضع أغان إسلامية والأذان كألحان مميزة، مثل أغاني وألحان مشاهير المطربين والمطربات، قدماء ومحدثين. كما تخصص قاعات للصلاة للنساء والرجال في أحد الأدوار؛ فالحفاظ على الشريعة ترضي الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب. ويخصص أصحاب العمارات الشامخة البدروم كمصلى حتى يعفى من العوائد، ويشرع بيع الشقة بالمليون أو أكثر. ويلبس معظم الباعة، اقتداء بصاحب المتجر، اللبس الإسلامي، الجلباب الأبيض.