تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتبع السنة العادية بإطالة الذقن وقص الشارب. وتأخذ بعض المنتجات أسماء إسلامية مثل بلح مكة، وعطر الرسول، والتين والزيتون، ورمان الجنة. وتخصص محلات العطارة قسما للعلاج بالأعشاب طبقا لتعاليم الطب النبوي. والعسل

فيه شفاء للناس (النحل: 69). وتوضع بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية كيافطات للمحلات لجذب الزبائن باستعمال الوازع الديني. وتوضع المصاحف بالقطيفة الحمراء في السيارات، وتعلق المصاحف الذهبية الصفراء لتزيين جيد النساء البيضاء. وتحمل المصاحف بين يدي الأطفال بالملابس الأفرنجية السوداء، والبابيون حول العنق أمام الزفة مع الشمعدان، وترش عليه الورود وحبات الملح، والرقص الشرقي في المقدمة؛ فيتحول المصحف إلى وثن وديكور. وتذكر أسماء الله الحسنى في بداية حفل الزفاف وعزاء الموتى وعيد ميلاد الأطفال كوصلة غنائية حتى تحل البركة على الجميع. ويختلط ذلك كله بالأمثال العامية على ظهر عربات النقل مع الصلاة على النبي، مثل: «العين صابتني ورب العرش نجاني»، والبسملة والحوقلة، والسائق يسير مخدرا ليلا، وسائق الأجرة يغالي في الأسعار بعد أن توقف العمل بالعداد.

وفي أوقات الصلاة توضع على أبواب المحلات، بما في ذلك الصيدليات والمكتبات العامة: «مغلق لأداء الصلاة.»

ويضع المرتشون من الموظفين العموميين فوق رءوسهم يافطات يختلط فيها الديني بالشعبي، مثل: «القناعة كنز لا يفنى»، «الرزق على الله». ويوضع لفظ «إسلامي» لوصف كل ما يراد ترويجه وتسويقه، مثل الزراعة الإسلامية، التجارة الإسلامية، الصناعة الإسلامية، التعليم الإسلامي في المدارس الخاصة، المواصلات الإسلامية لفصل الرجال عن النساء بصرف النظر عن أسعارها ومستوى خدمتها. ويخرج الحاج من منزله محرما ويعود محرما بعد الحج، ويأخذ لقب حاج ينادى به في الأسواق. وعلى متجره «حج مبرور، وذنب مغفور»؛ فتكون له الأولوية في المعاملات التجارية، وتقوى ثقة العملاء به.

وتمتلئ القنوات الإعلامية بمشايخ الفضاء بأرديتهم البيضاء، وذقونهم السوداء، للحديث عن الإسلام الشرعي والعبادات، وضرورة التمسك بحرفيتها دون التعرض لمصالح الأمة ومآسيها في العدوان الأمريكي على العراق وأفغانستان، والاحتلال الإسرائيلي لكل فلسطين أو حتى القدس برؤية إسلامية، والاحتلال السوفيتي للشيشان، والهندي لكشمير .

لا فرق بين مشايخ الفضاء وأساطين الغناء وفتيات الإعلانات وراقصات «الفيديو كليب»، والتكسب بالدين والوعظ والإرشاد تخديرا للناس، وإبعادهم عن قضاياهم الاجتماعية والسياسية. وتطعم إعلانات التهنئة ببعض الآيات والأحاديث حتى تلقى الحظوة لدى الرئيس أو الوزير أو المدير؛ فالتهنئة من القلب، ومعها اسما المهني والمهنى، وأسماء شركاتهما ومناصبهما، وكيفية الاتصال بهما، وما تقدمه من منافع وفرص عظيمة. وتتوالى التهنئة بقدوم الشهر الكريم، واسم المهني وشركته وبضاعته، ونصب موائد الرحمن على أبواب المتاجر، فيطعم الجائع والفقير من ناحية، وتكثر الزبائن من ناحية أخرى.

في الظاهر التدين، وفي الباطن الربح والتجارة والمكسب دون الخسارة. ولا فرق في هذه الممارسات بين الطبقات الاجتماعية الدنيا والمتوسطة والعليا. الدنيا لأن الدين غذاؤها، عزاؤها وأملها، والوسطى لأن الدين هو القانون والنظام، وهو ما ترعاه الطبقة الوسطى باعتبارها القائمة على الأمن والاستقرار. والعليا كغطاء شرعي للثروة والفساد والاحتكار والاستغلال، والأرزاق مقدرة من قبل، وليست من كسب الفقراء بالحلال، أو من احتكار رجال الأعمال وفسادهم بالحرام.

ولا فرق في ذلك بين الاقتصاد والسياسة، بين المحكوم والحاكم؛ فإذا ما سقطت شرعية الحاكم لتبعيته للخارج، وصلحه وتطبيعه مع المحتل، وقهره في الداخل، وسلبيته أمام الفساد ابتداء من الحاشية حتى المجتمع الكبير، فإنه يستعمل شرعية الدين. يحضر احتفالات توزيع الجوائز على الفائزين في مسابقات تحفيظ القرآن الكريم، ويتصدر الاحتفالات بالأعياد والموالد الدينية. يلبس ملابس الإحرام، والزبيبة على الرأس، والعصا في اليد، والدعاء على اللسان، وتسبيل العينين تقوى وخشوعا. وبعضهم يأخذ لقب «أمير المؤمنين»، «خادم الحرمين»، «الرئيس المؤمن»، «خامس الخلفاء الراشدين»، أو «آخر فراعنة مصر»، كما تأخذ حرمه لقب «ملكة مصر» بدلا من «السيدة الأولى». يختلط الديني بالدنيوي، وتتداخل السلفية مع العلمانية. والغاية إيجاد شرعية للرئيس ولنظام غير شرعي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٥٤