تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تدنيس المقدس

عرفت الثقافة العربية، إسلامية أو مسيحية أو يهودية، بتقديس المقدس وليس بتدنيسه، وإلا كان الجزاء القتل وهدر الدم، دم الكافر المرتد، وإنكار ما علم من الدين بالضرورة، وتمزيق القرآن ودهسه بالأقدام.

وفي لغتنا الكتاب المقدس، والروح القدس، والوادي المقدس؛ فالمقدس هو الكريم والطاهر والشريف. والقدوس اسم من أسماء الله الحسنى. والروح القدس، والملك القدوس، والوادي المقدس، والأراضي المقدسة. والتقديس فعل إنساني، يحافظ على القيمة مثل التسبيح

ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (البقرة: 30).

ومع المقدس ألفاظ لها نفس الدلالات مثل القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والكعبة المشرفة، ورمضان المعظم، والدين الحنيف. وعند الأصوليين، النفس أو الحياة المقصد الأول من مقاصد الشريعة. الحياة والموت أفعال إلهية وليست بشرية؛ فالله هو الذي يهب الحياة، وهو الذي يقرر لكل أجل كتابا. والقصاص حياة، وحياة الطفل والمرأة والشيخ

وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت (التكوير: 8-9).

وقد يكون الاقتتال بين حماس وفتح نهاية القاع التي لم تظهر بعد، إزهاق الروح، والكفر بالمقدسات، وتجاوز الخطوط الحمراء، إراقة الدم الفلسطيني بيد الفلسطيني. وقد ضحى عبد الناصر بالوحدة المصرية السورية، أول تجربة وحدوية عربية في التاريخ الحديث لأن العربي لا يريق دم العربي، وأمر بإرجاع الطائرة المحملة بالجنود المصريين لمساندة اللاذقية التي كانت ما زالت تهتف بالوحدة ضد الانفصاليين الانقلابيين المتآمرين في دمشق.

فكيف يتعارض الرمح الذي تمثله حماس، والدرع الذي تمثله فتح؟ كيف تتناقض المقاومة والسلطة، الداخل والخارج، القتال والتفاوض، الثورة والدولة؟ يد تقاتل ويد تصافح كما فعلت الثورة الفيتنامية، وهي تقاتل على الأرض وتفاوض في باريس مع العدوان الأمريكي على مدى خمس سنوات على نهاية الاحتلال. ليست فتح بيتان، وليست السلطة حكومة فيشي، حتى إذا كانت حماس تمثل ديغول والمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي لفرنسة. وماذا لو اقتتلت فصائل المقاومة في العراق فيما بينهما ضد الاحتلال الأمريكي، سواء قبل الانسحاب أو بعده، وسال الدم العراقي بيد العراقي؟

إنه تدنيس المقدس مرة أخرى، والكفر بالمقاومة بعد الإيمان بها، وتمني عودة قوات الاحتلال للفصل بين المتقاتلين. وهي الذريعة التي يحتج بها الاحتلال للبقاء في العراق. وماذا لو تم الاقتتال بين فصائل المقاومة في الصومال قبل انسحاب قوات الاحتلال الأثيوبي أو بعدها؛ مما يعطي ذريعة للاحتلال وممثليه في الداخل لإضفاء الشرعية عليه حماية للسكان الآمنين، ودفاعا عن وحدة الأوطان؟ وهي نفس المأساة في السودان عندما يريق السوداني دم السوداني باسم الصراع بين الشمال والجنوب، أو بين الخرطوم ودارفور. وهي نفس الجريمة في لبنان عندما يفجر لبناني أو عربي ليقتل رئيسا للوزراء أو نائبا في البرلمان أو مصنعا أو متجرا أو منزلا فوق رءوس قاطنيه.

إن الثورة لا تكون في الحكم إلا بعد النصر طبقا لشعار المقاومة «ثورة حتى النصر». هذه هي تجارب الثورات المنتصرة في الصين وفيتنام وجنوب أفريقية ومصر. أتى هوشي منه إلى الرئاسة بعد انتصار الثورة الفيتنامية، وأصبح نيلسون مانديلا رئيسا لجمهورية جنوب أفريقية بعد هزيمة الحكم العنصري، وأصبح سعد زغلول رئيسا لوزراء مصر بعد ثورة 1919م، وعبد الناصر رئيسا لجمهورية مصر بعد ثورة 1952م. ثم يتم التحول من فورة الثورة إلى عقل الدولة. وقد أطلق بن جوريون النار على الهجرات اليهودية غير الشرعية إلى إسرائيل بعد إعلان تأسيس الدولة في 15 مايو 1948م؛ لأن الدولة هي التي تقوم الآن بتنظيم الدخول والخروج من البلاد.

إن السلطة في الدولة المحتلة، مثل فلسطين والعراق وأفغانستان، لا تكون إلا في الوحدة الوطنية بين فصائل المقاومة وفرقاء النضال، والاجتماع على الحد الأدنى في برنامج العمل الوطني، وفي مقدمته انسحاب المحتل.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٤٩