تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتشهد تركية بفضل حزب العدالة والتنمية أكبر معدل في خطط التنمية والتصنيع والتحديث؛ فقد كانت سباقة في ذلك منذ «التنظيمات» التي كانت سائدة في القرن التاسع لتحديث المجتمع والدولة والمؤسسات. تصدر أكثر مما تستورد، وتصنع أكثر مما تزرع.

وهي الآن تعي موقعها الجغرافي السياسي كجسر بين الشرق والغرب، بين آسيا وأوروبة كما وعته مصر قديما بالإضافة إلى أفريقية ؛ فتركية ملتقى قارتين، ومصر ملتقى ثلاث قارات. وفتح السلطان سليم الأول مصر في 1517م وامتدادها إلى المغرب العربي حتى الجزائر. كان يضم أفريقية إلى آسيا وأوروبة، وتقوم بدور تركية ومصر في آن واحد. وهو ما حاوله محمد علي من جديد انطلاقا من مصر لتجديد المشروع العثماني. وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي إضافة لها وليس خصما منها لتوسيع حضورها في أوروبة، ولتخفيف التوتر بين الإسلام والغرب، والتخوف من هجرات العرب والمسلمين إلى أوروبة، وانتقال العمالة من جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى شماله، وتغير الهوية الأوروبية إلى هوية إسلامية، أو على الأقل إسلامية أوروبية بعد أن أصبح الإسلام هو الدين الثاني في أوروبة بعد المسيحية، ووجود ما يقرب من أربعة عشر مليونا من المسلمين، الأتراك والعرب في أوروبة، ووجود جيلين من الأبناء والأحفاد من مواليد أوروبة وليسوا من المهاجرين كما كان في الآباء والأجداد.

إن بين العرب والأتراك تاريخا مشتركا منذ أكثر من ألف عام منذ دخول الإسلام إلى تركية، والشعب التركي إلى الإسلام. فتحت القسطنطينية، واستمرت دولة الخلافة أكثر من خمسة قرون. لها جوار مشترك مع سورية والعراق.

ينقصها حل المشكلة الكردية ليس فقط في تركية، بل حلها أيضا في شمال العراق وسورية وروسية وأرمينيا في إطار من الاستقلال الذاتي، وحدود مفتوحة، وهوية ثقافية وقومية في إطار الدول الوطنية القائمة. وهو نفس النموذج المطروح لقضية الصحراء في المغرب وجنوب السودان ودارفون، وهو النموذج السويسري الذي يضم ثلاث قوميات وثقافات ولغات، إيطالية وألمانية وفرنسية، في إطار من نظام سياسي موحد ودولة واحدة. وهو نموذج ميثاق المدينة في أول الرسالة. وبقيت قضية لواء الإسكندرونة التي يمكن حلها في إطار محافظات التكامل بين تركية وسورية، مثل حلايب وشلاتين بين مصر والسودان، وكل مناطق النزاعات الحدودية من مخلفات الاستعمار بين الأقطار العربية؛ حتى تتآكل فكرة الحدود السياسية لصالح وحدة الشعوب على طرفي الحدود؛ فالهوية من التاريخ والثقافة والحضارة قبل أن تكون من الجغرافية؛ السهول والأنهار والمياه.

أما المياه، مياه دجلة والفرات، فهي مصادر طبيعية للتنمية المشتركة بين تركية وسورية والعراق لإقامة السدود وزراعة الأراضي، أسوة بالدول المطلة على وادي النيل، وتجنبا لمدها إلى إسرائيل.

والأهم من ذلك تغيير صورة التركي في الذهن العربي؛ تلك الصورة التي رسمها الاستشراق وأجهزة الإعلام الغربية والأعمال الأدبية والفنية، حتى أصبح تعبير «رأس تركي» يعادل المتعصب الجاهل. وهي صورة الحريم والإماء والسبايا وتعدد الزوجات والسراي التي تثور عليها الحركات النسائية. وهي صورة السيطرة والقهر واستغلال الفلاحين، صورة الباشا والأغا، «أهلا يا بكوات».

إنها مسئولية العلماء لإعادة كتابة التاريخ العثماني لتركية بعيدا عن تصورات المستشرقين وأجهزة الاستعمار الغربي، التي كان الهدف منها القضاء على «الرجل المريض» من أجل تقطيع جثته وتوزيعها كأسلاب بين دول أوروبة الناهضة. إنها مسئولية القوميين والمؤرخين العرب لتجاوز الخلافات الأيديولوجية إلى البحث التاريخي الموضوعي، مساعدة للعرب والأتراك؛ فليست مشانق دمشق للقوميين العرب في 1913م هي كل التاريخ، ولا الملتزم التركي الذي يضرب الفلاحين بالسياط هي كل العلاقات بين تركية والعرب. وما الفرق بين مآذن الجامع الأزرق في إستانبول ومآذن القلعة في القاهرة؟

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٤٨