أما السلطة تحت الاحتلال فهي سلطة دون سلطة، النصر قبل الثورة، القصر قبل القبر، العربة أمام الحصان.
إن تدنيس المقدس، وعبور الخط الأحمر وهو إراقة دم الفلسطيني بيد الفلسطيني، يجعل الفلسطيني يكفر بكل شيء؛ بمقاومته وبدولته، بفتح وحماس، وبالسلطة الوطنية؛ فلا فرق بين الوطني الفلسطيني والعدو الصهيوني في استباحة الدم الفلسطيني. وقد يكون المقاتل الفلسطيني الذي يحكم على مقاتل فلسطيني آخر بالإعدام، وينفذ فيه الحكم، ويسحله بالطرقات، أشد عداوة للفلسطيني من قتل العدو الإسرائيلي للفلسطينيين الأبرياء بهدم المنازل وقصف الأحياء بالصواريخ، أو التصفية الجسدية لنشطاء المقاومة وقياداتها.
وقد يكفر العرب بكل شيء، بالوطن؛ فالولاء للخارج والتعاون مع الأجنبي أكثر أمنا. ويكفون عن تأييد المقاومة باليد وباللسان، وحتى بالقلب. وقد يكفرون بالقومية لحساب الهويات البديلة، الطائفية المذهبية والعرقية لحماية نفسه من خلال الانتماء إلى الجماعة الصغرى بعد أن انقضت الجماعة الكبرى. ويكفرون بالإسلام وبالدين وبالإيمان وبالمسلمين. ففتح جذورها إسلامية إخوانية، وحماس انتماءاتها إسلامية إخوانية، والإسلام قد حرم الاقتتال بين المسلمين، وجعل دم المسلم وعرضه وماله حراما. ويكفرون بكل تاريخهم وماضيهم وحركاتهم الوطنية السابقة، وبتكاتفهم مع كل حركات الاستقلال الوطني في العالم الثالث، وبكل إنجازاتهم في الخمسينيات والستينيات ورموزها؛ فرانز فاتون، أميه سيزيه، نكروما، سيكوتوري، جيفارا، كنياتا، موجابي ... إلخ. ولماذا لا يعترفون بالصهيونية ويفاوضونها ويصالحونها، ولماذا لا يتحالفون مع قوى الاستعمار القديم والجديد ما دامت النهاية واحدة؛ إراقة الدم الفلسطيني الذي أصبح بلا ثمن؟
إن تدنيس المقدس هو الذي أدى بإلقاء صور ياسر عرفات رمز الثورة الفلسطينية على الأرض ودهسها بالأقدام، وهو ما لم تفعله إسرائيل، وهو الذي أدى إلى سيطرة حماس على غزة، وفتح على الضفة الغربية، وإسرائيل تسيطر عليهما معا بما في ذلك القدس.
إن الاقتتال بين فصائل المقاومة يحدث عادة بعد انتصار الثورة كما حدث في الجزائر، وفي تونس، وفي الثورة الاشتراكية في 1917م في روسية وليس قبلها. وكيف يقع الاقتتال على قسمة الغنائم والنصر لم يحدث بعد؟ حينئذ يكون نصرا في الهواء، وتكون السلطة وهمية، والاقتتال على وهم.
انقسمت الدولة قبل أن تقوم. حماس في غزة، وفتح في الضفة. ووقعت حرب أهلية قبل الاستقلال. ويتحقق التقسيم مبكرا للدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس؛ تطبيقا لمخطط التقسيم للوطن العربي كله. حماس تتهم فتح بالعمالة والخيانة، وفتح تتهم حماس بالانقلاب على السلطة الشرعية والخروج على القانون. والجامعة العربية تؤيد فتح، ولا تدين حماس؛ حرصا على وحدة الشعب الفلسطيني وسلامة أراضيه تحت الاحتلال. والعرب وإسرائيل والغرب يؤيدون السلطة، ويعدون بفك الحصار، وبوجود الشريك الفلسطيني أخيرا للتفاوض على مشاريع التسوية، خارطة الطريق أو مبادرة السلام العربية؛ تمهيدا لضرب حماس في غزة واستئصال المقاومة؛ العقبة الكئود أمام التسوية. وتعيد إسرائيل احتلال غزة، وتسقط فتح في الضفة؛ لأن الأخ لم يأت لمساعدة أخيه، وسلمه إلى الجلاد ما دام قد نال الاعتراف الدولي بشرعيته، حتى ولو كان تحت الاحتلال. اغتالت إسرائيل الشيخ ياسين وهي الآن تصفي أنصاره، ثم تدور الدائرة على فتح عندما يعرض عليها ما رفضته من قبل عندما كانت تمثل كل فلسطين. وينتهي مثل العرب: «أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.»
ويعود تاريخ العرب من جديد أيام الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية، ويتساءل الفقهاء: هل تجوز إمامة المفضول وهو معاوية، مع وجود الأفضل وهو علي؟ هل تجوز إمامة فتح وهي المفضول، مع وجود حماس وهي الأفضل؟ ويفتي مالك بالجواز حقنا لدماء المسلمين. القلوب مع علي، والمصالح مع معاوية.