والإسلام في أيدي الإسلاميين ليس المقصود به الإسلام في ذاته، بل الإسلام من أجل الوصول إلى السلطة، الإسلام في معترك الصراع السياسي؛ فهم المحافظون على تراث الأمة العريق من الاندثار والضياع، والداعون إلى التواصل معه. ولا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. وهم المدافعون عن تطبيق الشريعة الإسلامية ضد القانون الوضعي الذي يلاقي تحته المواطنون أشد ألوان العذاب في المكاتب الحكومية وفي أجهزة الدولة،
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (المائدة: 44)،
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة: 45)،
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (المائدة: 47). وهم المدافعون عن الهوية ضد التغريب، والمتمسكون بالأصالة دون الحداثة، والمحافظون على روح الأمة الخالدة ضد إغراءات الدنيا. وهم استمرار للخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، وتابعي التابعين إلى يوم الدين. هم خلفاء الأمة. والعلماء ورثة الأنبياء. شعاراتها سلطوية إقصائية أحادية الجانب. «الإسلام هو الحل» مع أنه لا يوجد حل واحد لأي قضية. «الإسلام هو البديل»، والبدائل متعددة. ولا يوجد بديل واحد إلا في أوقات الهزيمة بحثا عن الخلاص وتعلقا بطوق النجاة. «تطبيق الشريعة الإسلامية» للثورة على القوانين الوضعية؛ وبالتالي الثورة على الدولة من أجل الحكم بما أنزل الله.
هدف هذه الشعارات هو تقويض ما هو قائم، وليس تغييره إلى ما هو أفضل والبناء عليه؛ فالهدم يأتي قبل البناء، والبناء يأتي بعد الهدم. الإسلام هنا وسيلة للوثوب إلى السلطة، وهو حق مشروع لكل القوى السياسية في البلاد؛ فليست السلطة حكرا على أحد، بل يتم تداولها طبقا لصناديق الاقتراع والانتخابات الحرة مهما تغيرت مواد الدستور إلى البقاء في السلطة أكثر من دورتين ثم إلى مدى الحياة.
والدين في أيدي العلمانيين يقوم على تشويه متعمد له من أجل إبعاد خصومهم الإسلاميين في الصراع معهم على السلطة عندما تضعف الدولة، ويصبح النظام السياسي تابعا للخارج وقاهرا للداخل، كي يكون أحد الجناحين، الإخوان أو الشيوعيون، هم السلطة البديلة القادمة بعد أن تتفتت السلطة القائمة؛ فالدولة الإسلامية دولة دينية، وليست دولة مدنية. يحكمها رجال الدين باسم الله ونيابة عنه. هي دولة ثيوقراطية، إمامها خليفة الله في الأرض مثل ولاية الفقيه. قضى عليها الغرب في عصوره الحديثة، واستبدل بها الدولة المدنية، وفصل الدين عن الدولة، والسلطة الدينية عن السلطة السياسية، والكنيسة عن الدولة. ولما شاعت ثقافة الغرب، وعم نموذجه، وتم إسقاطه على باقي الثقافات والشعوب؛ كره الناس الإسلام وخافوا منه. فمن يريد العصر الوسيط، وتحالف الكنيسة مع الملكية كنظام سياسي، ومع الإقطاع كنظام اجتماعي؟ وهل يرضى الأقباط أن يعيشوا في كنف الدولة الإسلامية كأهل ذمة؟ وأهل الذمة في الاستشراق الغربي الذي ذاع وانتشر مواطنون من الدرجة الثانية. أقلية وسط الأغلبية. تؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. والرأي العام العالمي، وأقباط المهجر جزء منه، يروجون لمثل هذه الأحكام الخاطئة طلبا لتأييد الغرب لحقوق الأقليات، واستعداء للدول الكبرى والمنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة التي نصبت نفسها مدافعة عن الأقليات، وتصدر القرارات الدولية بمعاقبة الدول التي تنتهك حقوقها باسم الإسلام. والإسلاميون لا يسلمون بتداول السلطة، إذا وصلوا إليها فإنهم باقون فيها إلى الأبد، كما أعلن مرة رئيس جبهة الإنقاذ في الجزائر بعد نجاح الإسلاميين في الانتخابات البلدية أن هذه آخر الانتخابات. وما بعد الحق إلا الباطل؛ فأخاف الناس، وأثار الجيش، فانقلب عليهم، انقلاب على انقلاب، وسلطة على سلطة. يخلط الإسلاميون بين الدين والسياسة، ويستعلمون الدين لصالح السياسة دون كشف ذلك أيضا في منطق الدولة من أجل إقصاء الخصوم. والدين تجربة شخصية، في حين أن السياسة فضاء عام.