تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين علاقة الإنسان بينه وبين ربه، والسياسة علاقة الإنسان بأخيه الإنسان. الدين لله، والوطن للجميع. والإسلام ضد حرية الفكر، لا يقبل الحوار مع الخصوم، يكفرهم ويستبعدهم ويزيحهم ويقصيهم، بل ويصفيهم جسديا، ويستعمل كل وسائل العنف من أجل تخليص المجتمع من الفرق الهالكة باسم الفرقة الناجية. يحكمون بمفردهم، ولا يدخلون في جبهات وطنية مع باقي القوى السياسية، الليبراليين والماركسيين والقوميين؛ فقد اغتيل حسن البنا في العصر الليبرالي، وأعدم سيد قطب في العصر القومي الاشتراكي لممارسة العنف وتكوين التنظيمات السرية لقلب نظام الحكم. وقد لا يطيق فريقان إسلاميان بعضهما البعض، كل فريق يريد الحكم بمفرده كما هو الحال في السودان بين الإخوان في الحكم، والجبهة القومية في المعارضة. والشريعة الإسلامية هي فقط الحدود؛ قطع الأيدي والرقاب والجلد والرجم والصلب والتعليق على جذوع الأشجار والحريم وتعدد الزوجات والطلاق وعدم مساواة المرأة بالرجل والتخلف ومعاداة العلم والمدنية إلى آخر ما يقوله الاستشراق التقليدي. ولا فرق بين ما تروجه الدولة ضد الإسلاميين، وما يروجه العلمانيون ضدهم؛ فالعدو واحد، وهم الإسلاميون، مع أن الدولة والعلمانيين باعتبارهم أحد أجنحة المعارضة الرئيسيين للمعارضة رفاق نضال.

إن تشويه الإسلام من أبنائه في أتون الصراع السياسي ضد العلم وضد الوطن؛ فليس من مصلحة الدولة ولا العلمانيين ولا الإسلاميين تشويه الإسلام وتسليمه لأعدائه لصالح الصراع السياسي على السلطة. السلطة زائلة، وثقافة الأمة باقية.

الأصلح للجميع حفاظا على تراث الأمة الذي يكون الرافد الرئيسي في ثقافتها السياسية، التعامل مع الإسلام في ذاته، وكيف أنه قادر على الدفاع عن مصالح الأمة واستمرارها في التاريخ والدخول في تحديات العصر، تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة في فلسطين وكشمير وسبتة ومليلية، وما زاد عليها في العراق وأفغانستان والشيشان كما يريد الوطنيون جميعا، وتحرير المواطن من كل صنوف القهر السياسي والاجتماعي تحقيقا لشعار «لا إله إلا الله»، والجهر بالحق، وقول كلمة حق في وجه سلطان جائر كما يريد الليبراليون، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس، وجعل العمل المصدر الوحيد للقيمة بدلا من هذا التفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء وتهريب الأموال والاتجار بالأرزاق كما يريد الماركسيون، والدفاع عن وحدة الأمة ضد مخاطر التجزئة والتفتيت العرقي والطائفي، وتحقيق التنمية المستقلة في أمة متكاملة في اقتصادها بين الثروات وعائدات النفط والعقول والسواعد كما يريد القوميون الوحدويون، والدفاع عن الهوية ضد التغريب والتميع كما يريد الإسلاميون، وتجنيد الجماهير وحشد الناس الذي تعاني من غيابه جميع فرق المعارضة. ليس من مصلحة أحد تشويه الإسلام من أجل الصراع على السلطة، بل من مصلحة الجميع إبراز قدرة تراث الأمة على تحقيق مصالحها الوطنية، وأن يكون وعاء للوحدة الوطنية التي يجتمع فيها كل الفرقاء على الحد الأدنى من المصالح العامة على مستوى العمل، مع أكبر قدر ممكن من التعددية السياسية وحق الاختلاف على مستوى النظر.

مصر وتركية وإيران

3

في عصر التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي ومجموعة الثمانية، يقف الوطن العربي وحيدا مجزءا إلى أقطار، ومهددا بالتقسيم إلى دويلات طائفية؛ شيعية وسنية، وإسلامية وقبطية، أو عرقية؛ عربية، كردية، بربرية، زنجية، ثم إشعال الحروب بينها حتى تتحول إلى فتات تابع للتكتلات الكبرى. وحاولت دول أخرى إقامة تكتلات مماثلة في أمريكة اللاتينية، النافتا، وفي أفريقية، الاتحاد الأفريقي، وفي الوطن العربي، الجامعة العربية، وفي العالم الإسلامي، منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي عالم النفط، منظمة الأوبك، وفي جنوب شرق آسيا، الآسيان، وأخيرا مجموعة الدول الأفريقية الآسيوية الأربع وعشرين ومركزها أندونيسية، وماليزيا، وإيران، وتركية، ومصر، ونيجيريا؛ لتنشيط دول مؤتمر باندونج، وتحويله من مستوى الوجدان إلى مستوى الفعل بعد ما يزيد على نصف قرن. ومع ذلك ظلت ضعيفة صورية خطابية، لا تستطيع الصمود أمام التكتلات الكبرى، وليس لها ثقل سياسي لأنها خالية من الثقل الاقتصادي الذي تستطيع به منافسة التكتلات الكبرى في السوق طبقا لحرية المنافسة وفي عصر العولمة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٤١