والشريعة ليست كلا واحدا، ورأيا واحدا، واتجاها واحدا، بل هي متعددة الآراء والاتجاهات بين المذاهب الفقهية الأربعة الشهيرة. ويختار كل شعب المذهب الذي يتفق مع خصوصيته. اختارت مصر الشافعية، الوسطية بين الحنفية والمالكية، وإن كانت جزءا من المنظومة المالكية للمغرب العربي، وفي الأحوال الشخصية حنفية. وأصبحت اليوم في السلوك اليومي حنبلية تحت تأثير التيار المحافظ في شبه الجزيرة العربية، وكرد فعل على انهيار الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار، واستبعاد الحركة الإسلامية من المشاركة السياسية بعد الثورات العربية الأخيرة على مدى أكثر من نصف قرن، وفشل الأيديولوجيات العلمانية للتحديث؛ الليبرالية والقومية والماركسية.
ولا يعني تطبيق الشريعة تطبيق الحدود؛ أي قانون العقوبات؛ فلا واجبات بلا حقوق. وإذا كان من الواجبات تطبيق الأحكام الشرعية أوامر ونواهي، فمن الحقوق إعطاء كل فرد حقه في بيت المال، في الغذاء والكساء والإسكان والعلاج والتعليم والعمل والمشاركة في ثروات البلاد قبل تطبيق حد السرقة أو حد الزنا؛ فلكل حكم سبب وشرط ومانع، فلا يطبق حد السرقة بدافع الجوع والحرمان وبعموم البلوى إذا كان الكل سارقا. وهناك فرق بين السرقة من أجل البقاء والسرقة لنهب الأموال وثروات البلاد. ولا تتعلق الشريعة فقط بالأحوال الشخصية، بل بالأحوال العامة، ليس من الباب الضيق، من غرفات النوم، بل من الباب العريض، من النظام السياسي والاجتماعي. نظامها السياسي شورى ضد الاستبداد بالرأي وفردية القرار. يقوم على البيعة، وليس على الانقلاب العسكري أو الوراثة والتوريث. ونظامها الاقتصادي يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج، وعلى التوزيع العادل للدخل القومي طبقا لطبيعة العمل وحده. ونظامها القانوني يقوم على الحسبة والرقابة على الأسواق وجهاز الدولة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية حتى عند السلفيين. ونظامها القضائي يقوم على استقلال القضاء. مهمتها الذب عن البيضة؛ أي الدفاع وتقوية الثغور والحفاظ على استقلال البلاد الوطني ووحدة الأمة وتنمية مواردها وإعمار الأرض. والخروج على الحاكم الظالم واجب شرعي بعد استيفاء الشروط؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأولي الأمر، واللجوء إلى قاضي القضاة.
هناك فرق بين الجد والهزل، بين تحقيق المصالح العامة وإثارة المشاكل المفتعلة لملء الفراغ السياسي، والإيهام بمشاركة الشعب في تعديل الدستور. إن المصدر الأول للتشريع هو المصالح العامة، تحقيق أكبر قدر من المصلحة لأكبر عدد ممكن من الناس؛ فالمصلحة أساس التشريع كما قرر بذلك كل الفقهاء، وعلى رأسهم الشاطبي والطوفي إمام الحنابلة. وما يحدث اليوم من تعديلات للدستور إضرار بالمصالح العامة، وهي أساس الشريعة والدستور في آن واحد.
الإسلام والصراع على السلطة
2
يكثر الحديث عن الإسلام في الصحف اليومية والمحلات الأسبوعية والشهرية. وليس المقصود منه عرض الإسلام في ذاته، أو بيان حلوله لبعض المشكلات والأزمات الطاحنة التي تمر بها المجتمعات العربية والإسلامية، بل المقصود من كل خطاب، على الرغم من تنوع الخطابات، الصراع على السلطة؛ فالسلطة هدف الجميع، حكومة ومعارضة.
والحسابات الفلكية أدق وأضبط تستعمل الدولة، أي النظام الحاكم أو الحكومة بالتعبير الشعبي، الإسلام لصالح البقاء في الحكم والاستمرار في السلطة؛ فالإسلام في الصحف هو الإيمان ومضمونه العقائدي الغيبي أو الشعائري، السمعيات وليس العقليات، النظريات وليس العمليات. وهو الاعتدال ضد التطرف، والتسامح ضد العنف، والوحدة الوطنية ضد الفرقة، وبناء المساجد والكنائس على حد سواء، دون تمييز لفريق على فريق، وعيد ميلاد السيد المسيح إجازة رسمية مثل المولد النبوي سواء بسواء، وتقيم الدولة مسابقات تحفيظ القرآن، وتساهم في إقامة الأعياد والموالد للأولياء، وتحافظ على التراث، وتطبعه وزارة الثقافة، وتقوم الدولة من خلال وزارة الأوراق والشئون الدينية بذلك، ومشيخة الطرق الصوفية تابعة لرئاسة الجمهورية مثل جامعة الأزهر مكتبة الإسكندرية، وتبقي على الإسلام دينا رسميا للدولة بالرغم من اعتراضات العلمانيين بأن الدولة لا دين رسمي لها لأنها تمثل جميع المواطنين بصرف النظر عن إيمانهم، وتبقي على المادة الثانية التي تنص على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع حتى لا تزايد الحركات الإسلامية عليها. وهي تعلم أن كل ما يسن من قوانين في البلاد مثل قانون الطوارئ، والأحكام العرفية، وقانون مكافحة الإرهاب، كلها معارضة للشريعة الإسلامية التي تؤكد حرمة المسلمين؛ أعراضهم وأموالهم. وهي تعلم أيضا أن كل ما يحدث في البلاد من احتكار تجارة الحديد والأسمنت، وتلاعب بالأسعار، ومضاربات في العقارات، وبيع أصول مصر، مصانعها وجامعاتها وبنوكها، وربما قناتها، بدعوى الخصخصة والدخول في عصر العولمة والمنافسة واقتصاد السوق إنما هو ضد الشريعة الإسلامية التي تحرم الاحتكار لأن المحتكر ملعون، والتلاعب بالأسواق، وبيع الركاز؛ أي كل ما هو في باطن الأرض كالمعادن، أو ثابت لا يتحرك لا ينقل في الأسواق. وهي تمنع تأسيس أحزاب مثل الإخوان أو الوسط لأنها تقوم على أساس ديني؛ مما يؤدي إلى الفتنة الطائفية وقسمة أبناء الوطن الواحد إلى طائفتين. وهي تعلم أن الأحزاب «الدينية» أحزاب مدنية تقول بأن السلطة للشعب بناء على الاقتراع العام، وتقول بالتعددية السياسية. وليس الإسلام إلا الإطار المرجعي العام كالأيديولوجيات السياسية، الليبرالية والاشتراكية والقومية. والمحك هو البرنامج الحزبي.