إن الشريعة ليست كلا صامتا جامدا ثابتا متحجرا صلبا عبر التاريخ، بل هي متجددة متغيرة بتغير الظروف والمصالح، وبتبدل الزمان والمكان. الشريعة تعبير عن واقع كما يتضح ذلك من «أسباب النزول». الواقع يسأل، والشريعة تجيب
يسألونك عن الأهلة (البقرة: 189)،
ويسألونك عن المحيض (البقرة: 222)،
يسألونك عن الخمر (البقرة: 218)،
يسألونك عن الأنفال (الأنفال: 1)، والإجابة
قل .
معظمها إجابات عملية تهدف إلى تحقيق مصالح الناس؛ الأهلة لمعرفة المواقيت، والمحيض أذى يوجب الاعتزال عن النساء، والخمر بها مضار للصحة والعقل والمال، ولا جواب عن أسئلة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي، مثل
ويسألونك عن الروح (الإسراء: 85). وهناك أسئلة انتهى عصرها، مثل السؤال عن الأنفال والغنائم؛ فلا توزع غنائم الحرب، في حالة الانتصار اليوم، سلاحا وعتادا وإماء على المحاربين، بل تصبح ملكا للدولة. والأسرى، نساء ورجالا، تحميهم المواثيق والمعاهدات الدولية. والشريعة متغيرة بتغير الزمان بدليل «الناسخ والمنسوخ»؛ فالأحكام الشرعية متطورة بتطور الزمان كما هو الحال في تحريم الخمر الذي تدرج كما هو معروف، من الضرر إلى عدم شربه وقت الصلاة إلى اجتنابه كلية. وأحيانا يتجاوز الواقع والزمان أحكام الشريعة، مثل أحكام الغنائم والإماء والصيد. وقد أوقف عمر العمل بحد السرقة عام المجاعة كما هو معروف، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم، وأفتى محمد عبده بجواز أخذ فوائد التوفير نظرا لانخفاض العملة عبر الزمان، وأفتى آخرون بإيقاف تعدد الزوجات كحق مطلق استنادا إلى تعليقه على شرط مستحيل، وهو العدل بينهن. ورأى آخرون إبقاءه بعد إخطار الزوجة الأولى. وشكلت لجان لإعادة تقنين الشريعة طبقا لأحوال العصر، وإعطاء صياغات جديدة لقانون الأحوال الشخصية بدلا من توقف المطلقات والأرامل، واللاتي يهاجر أزواجهن إلى مناطق جذب العمالة دون إخطار زوجاتهن. كل منهن تحمل على ذراعيها وليدها، أو تجر في أذيالها أبناءها وبناتها.
ولا الدساتير أيضا ثابتة، ولا شريعة نابليون التي اعتبرها الطهطاوي متفقة في روحها مع الشريعة الإسلامية أيضا ثابتة إلى يوم الدين؛ لذلك يدرس طلاب الحقوق تاريخ القانون لبيان تطوره عبر العصور. وتتغير القوانين الحديثة من عصر إلى عصر، ومن شعب إلى شعب، ومن ثقافة إلى ثقافة في القانون الجنائي والقانون المدني، وقانون المرافعات. والقانون التجاري يعكس موازين القوى الاجتماعية والتركيب الطبقي للمجتمع، والقانون الدولي العام والخاص تسيطر عليه القوى الكبرى في صياغاته وأهدافه، ويعبر عن موازين القوى الدولية في كل عصر. وطالما أدخلت تعديلات على كل الدساتير كملاحق لها، بل قد تتغير بتغير النظام السياسي من ملكي إلى جمهوري، والنظام الاقتصادي من رأسمالي إلى اشتراكي. والدستور المصري الحديث ليس ثابتا، بل أعيدت صياغته عدة مرات منذ دستور 1923م إلى دستور 1971م.
تختلف مدارس القانون في فهم طبيعة القانون بين أكثرها محافظة وأشدها تحررا؛ فالمدرسة المحافظة تعتبر القانون تعبيرا عن الإرادة الإلهية، وهو عام شامل مطلق مثلها لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وتراه المدرسة العقلية تعبيرا عن العقل الخالص. والعقل أيضا ثابت لا يتغير، العقل البديهي البسيط. وتراه المدرسة الطبيعية تعبيرا عن الطبيعة الإنسانية وبنيتها الفطرية. وهي أيضا ثابتة لا تتغير. فالإنسان إنسان منذ الخلق حتى البعث.
يبدأ التصور الاجتماعي المتغير للقانون ابتداء من المدرسة الاجتماعية والتطورية التي تعتبر القانون تعبيرا عن نظام المجتمع، يتطور بتطور المراحل التاريخية للمجتمعات، وتاريخ التشريع ونظام القرابة شاهد على ذلك. ومنها من يعتبر القانون انعكاسا للصراع الطبقي في المجتمع وتوازن القوى فيه كما هو الحال في مصر؛ لذلك تتغير التشريعات ونظم التعليم والاقتصاد في كل جيل عدة مرات، بل إن هذا القانون ذاته يخضع لتأويلات وتفسيرات متعددة طبقا لفهم القانون عند المدعي العام والدفاع والقاضي . وصراع التأويلات هو صراع قوي ينعكس في طريقة فهم النصوص؛ لذلك نشأ صراع بين حرف القانون وروح القانون بين نفس المدرستين المحافظة والتحررية.