تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودون افتراض أن يكون القضاء تمثيلية احتراما لسلطته واستقلاله، فقد أحسن القضاة صنعا بإصدار حكم الإعدام على الممرضات البلغاريات والطبيبين البلغاري والفلسطيني بدرجتيه، الأولى والثانية، العادي والاستئناف، تطبيقا للقصاص؛ فمن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا في كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. ولا سلطة أعلى من سلطة القضاء، إلا أن لجنة أخرى موجهة سياسيا تعمل الإرادة السياسية من ورائها، والقضاء مجرد غطاء شرعي، خففت الحكم إلى السجن المؤبد، خمسة وعشرين عاما. ولو أن ذلك قد تم في بلد لا يسن به قانون القصاص مثل بعض البلاد الأوروبية التي تعتبر «الإعدام» ليس حلا، ولا يحيي الموتى، وخرقا لحقوق الإنسان، فالحياة حق طبيعي، ولا يمكن تصحيح خطأ وهو القتل بخطأ آخر وهو الإعدام، فمجموع الخطأين لا يكون صوابا، لكان الأمر مفهوما، ولكن إلغاء عقوبة الإعدام تم في ثقافة بها القصاص

ولكم في القصاص حياة (البقرة: 179)، وقد توفي ما يقرب من خمسين طفلا، بل في نظام سياسي يبيح التصفية الجسدية لخصومه السياسيين. واكتملت التمثيلية بدخول أهالي الأطفال الشهداء على الخطأ، وقيامهم بمظاهرات تطالب بالقصاص، وعبروا عن فرحتهم بإعدام القتلة، وهم أنفسهم الذين عبروا عن الفرحة بقبول التعويض وإنهاء الموضوع سلميا بعد تدخل مؤسسة خيرية على الخط، تقوم بدور الوسيط بين الضحية والجلاد لتعظيم دورها، واستعدادا للتوريث على الصعيدين الداخلي والخارجي.

كانت قيمة صفقة بيع النفس العربية مليون دولار لكل طفل، ومجموعها أربعمائة وخمسين مليونا لخمسين طفلا، وهو أقل من ضخة نفط في يوم واحد. وفرحت الأسرة ببيع طفلها، تنعم برغد العيش بثمن دمه، وفرحت أسرة أخرى بعلاج طفلها على نفقة القاتل مدى الحياة، وكسبت الدولة تحديث مستشفياتها بأطباء أوروبيين، وكأن الطب العربي المشهود له قديما وحديثا عاجز عن القيام بواجبه. ونجح النظام السياسي في فك الحصار عنه، وشطبه من قائمة الإرهاب، وزيادة التبادل التجاري بينه وبين الاتحاد الأوروبي، وتسهيلات تأشيرات الدخول لكل من الطرفين لدى الطرف الآخر، وزيادة البعثات الطلابية للدراسة في الغرب، وعودة العلاقات مع الغرب إلى مستواها الطبيعي، بدلا من تكرار غزوها في 1986م من القوات الأمريكية، وبدلا من الترصد لباقي القادة العرب أسوة بصدام وحبل المشنقة حول عنق رئيس عربي. وكلها في النهاية وعود قد لا تتحقق بمجرد الإفراج عن الرعايا البلغار.

وكسبت فرنسة، ورئيسها الجديد في حاجة إلى دور يلعبه في الحوار الوطني بين الخصماء في الوطن في لبنان، وفي الإفراج عن الممرضات البلغاريات ورفيقهن، وفرنسة هي التي صاغت «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن» أثناء الثورة الفرنسية. والسيدة حرمه تقوم بدور السيدة الأولى في رعاية الشئون الاجتماعية والخدمات الإنسانية والمشروعات الثقافية، كما هو الحال في معظم البلدان العربية. وفرنسة هي التي رفضت حتى الآن الاعتذار للجزائر عن جرائم الحقبة الاستعمارية الفرنسية والمليون شهيد، وهي التي تسعى إلى إقامة محكمة دولية لقتلة رفيق الحريري، وتترك عشرات الآلاف من السجناء الفلسطينيين في سجون إسرائيل. ودخلت دولة عربية صغرى على الخط لتساعد دولة عظمى، وتقوم بدور مصر المستمر في لم الشمل العربي محليا ودوليا.

ووصل الجناة الأبطال إلى صوفية، واستقبلوا بالورود والرياحين والدموع الإنسانية تنهمر من عيون القادمين والمستقبلين، وكأنهم أبطال عادوا منتصرين في الحرب ضد العرب. وفي نفس اللحظة، وبدلا من أن يقضوا الحكم المؤبد بسجون وطن الشهداء، وهو لا تنقصه السجون ولا المسجونون ولا السجانون، وبدلا من أن يقضوا المدة في أوطانهم وقد عرفت يوما بأنها أيضا تغص بالمسجونين السياسيين، واحتراما لأحكام القضاء، فإن الرئيس البلغاري أصدر حكما بالعفو عن القتلة، فيضيع دم الأطفال هباء، وتنتهي التمثيلية التي دامت تسع سنوات؛ فالغرب هو الغرب، والشرق هو الشرق. أوروبة هي أوروبة، والعرب هم العرب؛ تأكيدا على الصور النمطية التي تراكمت عبر التاريخ، وما زالت مستمرة في الحاضر والمستقبل.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ١٩