ويظهر المعيار المزدوج الشهير في سلوك الغرب. يقيم الدنيا ويقعدها من أجل الممرضات البلغار والطبيب البلغاري وآلاف المعتقلين السياسيين في سجون إسرائيل، ومئات الشهداء من القصف الإسرائيلي، وملايين الأطفال العراقيين استشهدوا من جراء الحصار والقصف الأمريكي دون أن يحرك الغرب ساكنا، لا رئيس الجمهورية الفرنسية ولا أحد من المؤسسات الخيرية العربية أو الغربية، ولا دولة عربية صغرى أم كبرى. ولو قامت ممرضات وأطباء عرب بالقيام بنفس الجريمة التي قامت بها الممرضات البلغار في أطفال غربيين أو إسرائيليين انتقاما من حقبة استعمارية ما زالت مستمرة، لقامت الدنيا وقعدت ضد المجرمين العرب وثقافتهم اللاإنسانية. وقد غزت إسرائيل دولة بأكملها، لبنان، لتحرير ستة من أسرى الحرب الإسرائيليين، ولديها عشرة آلاف من السجناء الفلسطينيين.
دولة تبيع مواطنيها، وتتاجر بأطفالها لتحمي نظامها، وهي دولة مبادئ وأيديولوجيات قومية أولا وأفريقية ثانيا. اشتراكية أولا، وتعطي إشارات بالخصخصة والعولمة والرأسمالية ثانيا أسوة بغيرها. ولماذا تختلف الشقيقة الصغرى عن الشقيقة الكبرى؟ وبيع نفس عربية بالعشرات أقل بكثير من بيع نفس عربية أو إسلامية بالآلاف في فلسطين والعراق والشيشان وكشمير والسودان وتشاد ومالي أو في باكستان.
قد يغضب الإخوة الليبيون، ولكن ليبيا بالنسبة لجيلي هي السنوسية وعمر المختار. ليبيا ثورة الفاتح في 1969م لا الثورة المضادة. ليبيا القومية العربية لا المهادنة للغرب. ليبيا المبدأ لا المساومة. ليبيا التاريخ لا خارج التاريخ.
السلاح أم الحوار؟
4
إن حالة الاستقطاب الشديد لا تميز فقط الوطن العربي بين إسلاميين وعلمانيين، في فلسطين بين حماس وفتح، وفي الجزائر بين جبهة الإنقاذ الوطني والدولة، وفي الصومال بين المحاكم الشرعية والنظام السياسي المستعاد باسم الدولة، وفي السودان بين الشمال والجنوب، وبين الشمال والغرب، وفي اليمن بين الحوثيين والدولة، بل أيضا في العالم الإسلامي خاصة في باكستان كما دل على ذلك المواجهة الأخيرة بين قوات الجيش وطلاب الجامع الأحمر في إسلام آباد هذا الشهر. وتسيل دماء العرب والمسلمين كل يوم، مقاتلين وأبرياء، دينيين ومدنيين، حتى أصبح الدم العربي الإسلامي رخيصا يسفكه أعداء الأمة في فلسطين والعراق والشيشان وكشمير. وخطورة الاستقطاب هو الوقوع في ثنائية متعارضة بين طرفين، يستبعد كل منهما الآخر، ثنائية الحق والباطل، والصواب والخطأ، والإيمان والكفر. لا يبقى طرف إلا بالقضاء على الآخر، في الفكر وفي الواقع، في الذهن وفي السلطة؛ فالفرقة الناجية واحدة بالرغم من تعدد الفرق، وأن اختلاف الأئمة رحمة بينهم، وأهمية التعددية الفكرية والسياسية.
ولكل فريق من المتخاصمين المتحاربين من الإخوة الأعداء أخطاؤه، ومجموع الخطأين لا يكون صوابا، والاختيار بينهما يزيد من كب الزيت على النار، وشق الصف الوطني، وسفك الدماء، وشبح الحرب الأهلية. وهو منطق «إما ... أو ...» الذي ساد معظم الديانات الآسيوية، المانوية والهندوكية والزرادشتية، ودين الصين القديم قبل كونفوشيوس، وأصلتها الغنوصية التي دخلت معظم ديانات الوحي، خاصة المسيحية في التقابل بين ملكوت السموات وملكوت الأرض، ومقتضيات الروح ومتطلبات البدن، وفي الإسلام في تقابل مشابه بين الدنيا والآخرة، بين الملاك والشيطان.
والتعارض بين الفريقين ليس فقط كما يبدو في الظاهر صراع سلطة، بل هو صراع ثقافي بين رؤيتين متباينتين «إما ... أو ...» بين منهجين وأسلوبين في الحياة، لا حل له إلا بالحوار والتكامل، وتصحيح أخطاء كل فريق بمميزات الفريق الآخر من أجل الوصول إلى الطريق الثالث الذي اشتقته تركية ممثلة في «حزب العدالة والتنمية»، وماليزيا ممثلة في حزب «الآمنو». وهو ما تسعى إليه جميع حركات التجديد والإصلاح في المغرب في حزب العدالة والتنمية، وليس بإقصاء الإسلاميين كما هو الحال في مصر وليبيا وتونس والجزائر، أو بإقصاء العلمانيين كما هو الحال في السعودية والإمارات وعمان. وما زال الوضع متوترا في اليمن والكويت والأردن.