بيع نفس عربية
على وزن «بيع نفس بشرية»، الرواية الشهيرة عن الاستغلال الجنسي للخادمات الفلبينيات في الخليج في المشرق العربي، شرق مصر، يحدث أيضا «بيع نفس عربية» في جريمة حقن الممرضات البلغاريات مع طبيبين فلسطيني وبلغاري، حوالي خمسمائة طفل ليبي، بمرض «الإيدز» في المغرب العربي، غرب مصر. والفرق أنه في الشرق، الشاري عربي، والبضاعة آسيوية. وفي المغرب، البائع عربي، والبضاعة عربية.
ليس هذا تحليلا لأحكام القضاء الذي يبدو أنه قام بدوره، ولا تدخلا في شئون الدول وسياساتها المتقلبة؛ فذاك ما يخص شعوبها ومثقفيها الوطنيين ومفكريها الأحرار، بل الأمر يتعلق بما كثر الحديث عنه منذ أكثر من عشر سنوات باسم «حوار الحضارات»، أو حوار الثقافات، أو حوار «الشمال والجنوب»، أو «أوروبة والإسلام». وهو أيضا دفاع عن الثقافة العربية، واحترام الحياة فيها من أجل تغيير الصورة النمطية في الغرب عن العرب؛ أنهم أجساد بلا أرواح، أبدان بلا عقول، قبائل وطوائف بلا إنسان. قد يهزم العرب عسكريا، وقد يعجزون سياسيا، ولكنهم يظلون حاملين لثقافة أثرت في ثقافات العالم، وما زالت موضع عزة وافتخار.
وإن من مظاهر الأزمة العربية الراهنة اختلاط كل شيء بكل شيء؛ النصر والهزيمة، المقاومة والإرهاب، الواقعية والاستسلام، الشرعية والصورية، الحق والباطل، الاستقلال والتبعية، الاستقرار والطوارئ، الأمن والشرطة، القيمة والتجارة، المبدأ والسياسة. وكانت أحد مقومات النهضة توضيح هذا الخلط، والكشف عما يدور في الواقع من تداخل واختلاط الحابل بالنابل، حتى لم يعد يعرف العربي من الصديق ومن العدو، أين المنفعة وأين الضرر.
إن ما حدث من حقن أطفال بمرض «الإيدز» من ممرضات بلغاريات وطبيب بلغاري، ليس فقط جريمة في حق الأطفال أو في حق البشرية، بل هي جريمة ثقافية في رؤية الأوروبيين في شمال البحر الأبيض المتوسط لغيرهم، خاصة العرب والمسلمين في جنوبه، استمرارا لرؤيتهم للأتراك في العصر العثماني، القسوة والتعصب والقهر. وما زالت الرؤية مستمرة حتى الآن في الإرهاب والعنف والتخلف والتسلط، وخرق حقوق الإنسان والمرأة والطفل والشيخ والأقليات. وطالما استمرت العنصرية العرقية والمركزية الثقافية داء دفينا في الوعي الغربي، سيظل مستعمرا غيره، كارها ثقافته، نافيا وجوده الجسدي والحضاري؛ لذلك يناصب الغرب الإسلام العداء في أوروبة الشرقية. أوروبة مسلمة! ويعارض دخول تركية إلى الاتحاد الأوروبي بذرائع واهية اقتصادية وسياسية، والحقيقة برفض حضاري لثقافة مغايرة، وقد كانت يوما تسيطر على أوروبة الشرقية على مدى خمسة قرون. وهو موقف عام يظهر في نتوءات فاقعة بين الحين والآخر، خاصة في اليمين الأوروبي؛ برلسكوني وفالاتشي في إيطاليا، برنار لويس في إنكلترة وأمريكة، لوبين في فرنسة، بوش والمحافظون الجدد في الولايات المتحدة. لا فرق في ذلك بين ممرض وطبيب، بين ثقافة العامة وثقافة الخاصة اللتين تجمعهما الثقافة الإعلامية الحديثة، والإرث التاريخي الطويل. وقد يجمع البلغاري والفلسطيني هم الرزق، ولقمة العيش، وجمع المال، والعمل في بلاد النفط، والتضحية بكل ما هو إنساني في سبيل المال. وقد تعود الفلسطيني المهاجر على ذلك؛ غدرا بأخيه من أجل سوق العمل بعد أن هجر وطنه، وأخذ جنسية بديلة تحميه من غائلة العرب وهوس الحاضر وذاكرة التاريخ.
الآخر شيء للبيع والشراء كما بيع الرقيق الأفريقي في أسواق الولايات المتحدة، منذ خمسة قرون وما زال مستمرا حتى الآن. استضعاف طفل من ثقافة تفخر بأنها هي التي صاغت «الإعلان العالمي لحقوق الطفل»، تهبه الموت كما وهبته قوى الاستعمار لشعوب بأكملها استئصالا في أمريكة واستراليا، واستعبادا لكل الشعوب التاريخية القديمة في كل أرجاء أفريقية وآسيا وأمريكة اللاتينية، والوسيلة الحقن بفيروس «الإيدز» الذي لا علاج له حتى يصبح الموت قدرا محققا لخمسمائة طفل، جيلا بأكمله يورث من بقي منهم على قيد الحياة المرض لجيل لاحق. وينتشر المرض بوسائل أخرى من الأوروبيين الشاذين جنسيا عن طريق اتصالهم بالأطفال، وإغراء الفقراء منهم بالمال والحلوى أو المبيدات المسرطنة، وهو ما تفعله إسرائيل في الزراعة المصرية.