ولا فرق في منع المفكرين من الدخول إلى الدول بعد الوصول إلى المطارات بتأشيرات رسمية؛ فالأمن فوق الخارجية، والشرطة فوق السفارة. ولا فرق أيضا بين نظام عسكري باسم الجمهورية ونظام ملكي باسم العائلة؛ فمهما اختلفت النظم السياسية إلا أنها متفقة فيما بينها على التسلط والقهر. الدفاع عن النظام في كلتا الحالتين هو الهدف الرئيسي، وأمن النظام في كلتا الحالتين هو العامل الموجه. مع أن الأفكار الممنوعة قد تكون في صالح النظام إذا أراد الأمن على الأمد الطويل عن طريق الحوار مع الخصوم، وليس على الأمد القصير عن طريق المصادرة والمنع بأجهزة الرقابة والشرطة. قد يكون أثرها طيبا وليس سيئا، لصالح النظام وليس ضده، ولصالح الوطن الأبقى بعد تغير النظام.
وأثر الحركات الإسلامية على بعضها البعض شيء مشهود، يدل على وحدة فكر الأمة ومصدرها؛ فطالما تأثرت هذه الحركات بالأموات مثل ابن حنبل وابن تيمية وسيد قطب، وبالأحياء، متطرفين منهم ومعتدلين، محافظين وتقدميين، تقليديين ومجتهدين. ولا يستطيع نظام سياسي معاداة كل أطياف الفكر الإسلامي؛ فلو كان يظن أن المتطرفين خصومه فعليه الاعتماد على المعتدلين، وإذا ظن أن التقليديين والمحافظين أعداؤه فيعتمد على المجددين والتقدميين؛ فالحركة الإسلامية ليست نوعا واحدا ولا اتجاها واحدا. وقد أجادت النظم السياسية هذه اللعبة بالاعتماد على اليسار لضرب اليمين مرة إذا كان الخطر منه، وبالاعتماد على اليمين مرة أخرى لضرب اليسار إذا كان الخطر منه؛ وبالتالي يضعف الجناحان الرئيسيان في الفكر السياسي لصالح القلب. ولا يعادي نظام سياسي الإسلام الديمقراطي الذي يؤمن بالتعددية الحزبية وبالانتخابات البرلمانية إلا إذا كان معاديا للديمقراطية والتعددية السياسية، مزورا للانتخابات لصالح الحزب الحاكم الأوحد، أو ضد الفرق الضالة لصالح الفرقة الناجية. ولا يعادي نظام الإسلام الليبرالي الذي يعترف بحريات التعبير لكل الناس؛ فالكل راد والكل مردود عليه إلا كان معاديا للحرية والليبرالية.
يقوم على القهر والتسلط على المؤسسات السياسية الدستورية والتعليمية والثقافية والإعلامية، ولا يعادي الإسلام العقلاني المستنير الذي يدعو إلى الحوار العقلاني الهادئ إلا إذا كان معاديا للعقل لصالح الخرافة، وضد الاستنارة لصالح الأسطورة، مثل الحكم مدى الحياة والتوريث والزعامة في التاريخ.
وقد يسمح النظام السياسي للمفكر الإسلامي بالدخول بعد طول انتظار منعا للإحراج المحلي والإقليمي والدولي، وكدليل على بعض الحريات العامة في النظام وكرم شيخ القبيلة وأريحية كبير العائلة، أو اختبار المفكر وحسن سلوكه ومدى اتصالاته؛ فعين الدولة في كل مكان، وأجهزة أمنها وشرطتها السرية تحيط بالأماكن التي يتواجد بها الفكر لاستيفاء ملفه وكتابة التقارير عنه وعن نشاطه في محيطه، بعد أن استعصى شراؤه للعمل مع النظام ضد خصومه السياسيين. وقد يسمح نظام سياسي آخر بدخول الكتب ثم بدخول أصحابها طبقا للقاعدة الفقهية؛ اختيار أخف الضررين؛ تفجير العقول أم تفجير المباني، استنارة العقول أم إشعال النار في المؤسسات، حرية الفكر أم الفوضى العارمة، تغيير النظام أم هدم الدولة، الإصلاح التدريجي أم الثورة العارمة؟
وقد يمنع نظام ثالث المفكر من الدخول منذ البداية، ورفض الرد حتى على طلب تأشيرة الدخول لحضوره ندوة أو لقاء أو مؤتمرا علميا؛ عقابا له على مواقفه، ومنعا لتأثيره في عدة قضايا اختارت الدولة أحد الحلول التي تتفق مع الهيمنة والسيطرة، واستبعدت كل الحلول الأخرى التي تقوم على حرية الشعوب وحق تقرير المصير. ففي عام 1948م خلقت بريطانية ثلاث مشاكل طبقا لسياسة «فرق تسد» في فلسطين بتقسيمها، وفي جنوب أفريقية بتأييد الحكم العنصري الأبيض للأقلية ضد الأغلبية الأفريقية، وفي الهند بتقسيمها إلى الهند وباكستان، وخلق منطقة توتر بينهما في كشمير التي من المفروض أن تنضم إلى باكستان طبقا لقرار الأمم المتحدة، الأغلبية الهندوسية في الهند، والأغلبية الإسلامية في باكستان. وكانت الأغلبية في كشمير إسلامية، ومع ذلك ضمتها الهند لثرواتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.