تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصحاب الأوطان في السجون والمعتقلات، تحت أهوال التعذيب الجسدي، والنفسي. يخضعون لقوانين الطوارئ أو مكافحة الإرهاب أو حماية الوحدة الوطنية. والأحرار منهم أقلية غير مؤثرة، مجرد صمام أمان للنظم السياسية القاهرة للداخل، والتابعة للخارج. والمثقفون والأدباء منهم يكتبون ويبدعون ثقافة وأدبا للتاريخ، يعبر عن مرحلة القهر والعجز والتبعية والضياع. يجرون عربة محملة بالأثقال بمفردهم ليصعدوا بها مسار التاريخ، يقيلون عثرته، وينهضون بكبوته حتى يأتي الزلزال فيغير الأوضاع، ويظهر التفاعلات الجديدة، وتنبثق منه المياه الجوفية السارية تحت الأرض في حمم البراكين بعد طول غليان.

وليست السماء والأرض وحدهما هما المفتوحتان للغزو العسكري المباشر، بل أيضا العقول ونظم التعليم والمؤسسات الثقافية والإعلامية للتبشير بالوطن البديل؛ التعليم للسوق باسم الجودة والحداثة، والثقافة العالمية لنشر قيم الاستهلاك، والإعلام لنشر قيم العولمة، وأن العالم قرية واحدة، قضت ثورة الاتصالات فيه على الخصوصيات الثقافية التي ما زالت تسبح ضد التيار.

وأصحاب الأوطان الشرعيين في أغلبيتهم مشغولون بلقمة العيش، أو البحث عن مصادر للرزق في الداخل أو في الخارج، بالكسب السريع أو الهجرة؛ فضعف الولاء، وعز الانتماء، وضاعت القضية التي طالما حلم بها الناس في الخمسينيات والستينيات. انتهى هذا الجيل الذي قاوم الاستعمار والصهيونية، وساهم في بناء الدولة الوطنية، وتحقيق المشروع القومي في الاستقلال الوطني والتصنيع، لحساب جيل جديد يوهم نفسه بالسعادة والخلاص عن طريق الدين أو «الشيشة»، أو السعي وراء ملذات الحياة في المأكل والمشرب والمسكن التي ملأت الحياة العامة في الطرقات والمنتديات، وتحزب الناس للنوادي الرياضية بعد أن انعزلوا عن الأحزاب السياسية.

فإذا ما كان للوطن صاحب وهو المقاومة الشعبية، فالكل صاحبه. يتنازعون فيما بينهم دون إمكانية للوفاق الوطني في لبنان وفلسطين والعراق. يقتتلون فيما بينهم على السلطة في الداخل، والسلطة الفعلية في الخارج. نسوا مرحلة التحرر الوطني التي قامت فيها الجبهة الوطنية بتحقيق الاستقلال ودحر المحتل.

طالما أن الوطن بلا صاحب فإن التطرف سيزداد، والعنف سيشتد لمن يريد تحويل العجز إلى قوة، واليأس إلى أمل، ويوقف الانهيار المستمر. ستنشط الحركات السرية بكل طوائفها، تنتظر لحظة الوثوب على السلطة كما حدث في الثورات العربية في أوائل الخمسينيات بقيادة الضباط الأحرار؛ فما زال يتراءى في الخيال البعيد صور أحمس ورمسيس وصلاح الدين وقطز ومحمد علي وعبد الناصر في مصر، وعمر المختار وصالح بن يوسف وبن بللا وعلال الفاسي بالمغرب، والمهدي بالسودان، وعز الدين القسام في فلسطين، وحزب الله في لبنان. فالأوطان لها صاحب؛ شعوبها، وقادتها الوطنيون، ومسارها عبر التاريخ.

ممنوع من الدخول

إذا أمكن منع الأجساد من الحركة بالاعتقال، والإقامة الجبرية، والترحيل في المطارات والمنع من الدخول بناء على القوائم السوداء في الأجهزة الإلكترونية وملفات الأمن، فإنه لا يمكن منع الأفكار من الانتشار. وطالما انتشرت أفكار المعتقلين بل والشهداء؛ فلا حدود أمامها، ولا مانع من انتشارها؛ فهي كالطاقة في الطبيعة، والكهرباء في الأسلاك. ولو أمكن منع الأجساد على الأمد القصير فإنه لا يمكن منع الأفكار على الأمد الطويل. ومنع الكتب ومصادرتها لا يمنع من انتشار الأفكار؛ فوسائل نقلها الآن مقامة عبر شبكات الاتصال (الانترنت)، وموجودة في القصور مثل الخمور ؛ فكل ممنوع مرغوب فيه. ولو تم وضع الحواجز على الأرض فإنه لا يمكن وضعها في السماء، ولو أمكن وضع الحدود الجغرافية فإنه لا يمكن وضعها في التاريخ، وإن أمكن تقطيع المكان إلى أجزاء فإنه لا يمكن تقطيع الزمان المتصل. وقد كان نيلسون مانديلا في السجن ربع قرن وهو يحكم جنوب أفريقية، وكان غاندي في السجون البريطانية والمقاومة السلمية تنتشر في ربوع الهند.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ١٥