وكان من فعله في ركوبه أن يحمل معه بدر الدراهم والدنانير، فلا يسأله أحد إلا أعطاه، وأمعن في قتل الملحدين والمداهنين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم اعتقاداتهم في خلافته؛ لما انتشر من كتب ماني وديصان، مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره.
وترجمت في أيامه كتب من الفارسية والفهلوية إلى العربية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب للرد على الملحدين وإقامة البراهين على المعاندين، وشرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد النبي - عليه السلام - وبنى بيت المقدس، وقد كانت هدمته الزلازل.
وجاء بعده الهادي، فكان جبارا عظيما، وكان أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة، والأعمدة المشهورة، والقسي الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.
وجاء بعده الرشيد، فكان مواظبا على الغزو والحج، واتخاذ المصانع والآبار والبرك والقصور في طريق مكة، ومنها عرفات ومدينة النبي
صلى الله عليه وسلم
فعم الناس إحسانه مع ما قلده به من حوله، ثم بنى الثغور، ومدن المدن، وحصن الحصون مثل طرسوس وأذنة، وعمر المصيصة ومرعش، وأحكم بناء الحرمين وغير ذلك من دور السبيل، والمواضع للمرابطين، واتبعه عماله، وسلكوا طريقته، وقفته رعيته مقتدية بعمله مستنة بإمامته، فغمط الباطل، وأظهر الحق، وأنار الإسلام، وبرز على سائر الأمم، وكان أحسن الناس في أيامه أم جعفر زبيدة بنت المنصور؛ لما أحدثته من دور السبيل بمكة، واتخاذ المصانع والبرك والآبار بها، وطريقها المعروف إلى هذه الغاية، وما أحدثته من الدور للتسبيل بالثغر الشامي وطرسوس، وما وقفت على ذلك من الوقوف، وما ظهر في أيامها من فعل البرامكة وجودهم، وأفضالهم، وما اشتهر عنهم من اتصالهم.
وكان الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان في الميدان، ورمى بالنشاب في البرجاس، ولعب بالكرة والقبقاب، وقرب الحذاق في ذلك، فعم الناس ذلك، وقلدوه في فعله، وكان أول من لعب بالشطرنج والنرد من خلفاء بني العباس، وقدم اللعاب، وأجرى عليهم الرزق، فسمى الناس أيامه لنضارتها وكثرة خيرها وخصبها أيام العروس، إلى كثير مما يجاوز النعت، ويفاوت الوصف.»
قال القاهر: «أراك قد قصرت في تفصيل أعمال زبيدة أم جعفر»، قلت: «يا أمير المؤمنين ميلا إلى الاختصار، وطلبا للإيجاز» قال: «زدني فيها»، قلت: «نعم يا أمير المؤمنين، كان من فعلها وحسن سيرتها في الجد والهزل ما برزت فيه على غيرها، فأما الجد: فالآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها، مثل حفر العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، وإنفاقها الألوف على ذلك عدا ما كان في وقتها من البذل، وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب، وأما الوجه الثاني: فمما تتباهى به الملوك في أعمالها، وينعمون به في أيامهم، فهي أنها أول من اتخذ الآلات من الذهب والفضة المكللة بالجواهر، وصنع لها الرفيع من الوشي، حتى بلغ الثوب الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري يختلفون على الدواب في جهاتها ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها، وأول من اتخذ القباب من الفضة والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة، ملبسة بالوشي والسمور والديباج، وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر، واتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر وشمع العنبر، ولما أفضى الأمر إلى ولدها الأمين، ورأت شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم، اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رؤوسهن، وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق فبانت خدودهن وبرزت أردافهن، وبعثت بهن إليه، فاختلفن في يديه، واستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن، وأبرزهن للناس، واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواري المطمومات، وألبسوهن الأقبية والمناطق وسموهن الغلاميات.»