فقال الرشيد: «ليس غمي وكربي بشيء كما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتها في هذه الليلة وقد أفزعتني.»
فقلت: «أذلك الغم كله لرؤيا؛ وهي إما تكون من خاطر، أو من بخارات رديئة، أو من تهاويل السوداء، وإنما هي أضغاث أحلام؛ فما هي إذا؟»
قال: «رأيت كأني جالس على سريري هذا؛ إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها، وفي الكف تربة حمراء، قال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: «هذه هي التربة التي تدفن فيها.» فقلت: «وأين هذه التربة؟» قال: «في طوس.» وغابت اليد، وانقطع الكلام.» فقلت: «يا سيدي هذه - والله - رؤيا بعيدة ... أحسبك أخذت مضجعك ففكرت في خراسان وحروبها، وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها.»
قال: «لقد كان ذلك» ... قلت: «فلذلك الفكر خالطك في منامك فولد هذه الرؤيا، فلا تحفل بها، وأتبع هذا الغم سرورا يخرجه من قلبك.»
فسري عنه، وأمر بإعداد ما يشتهيه، ويزيد في لهوه، ونسينا تلك الرؤيا، وما خطرت لنا بعد على بال، ثم سار إلى خراسان، فلما كان في بعض الطريق ابتدأت به العلة، فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طوس.
فذكر الرشيد تلك الرؤيا فوثب متحملا؛ يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه كل يقول: «يا سيدي ... ما حالك؟ وما دهاك؟» فقال: «يا جبريل أتذكر رؤياي بالرقة ؟» ثم رفع رأسه إلى مسرور، وقال: «جئني من تربة هذا المكان»، فمضى مسرور فأتى بتربة حمراء، فقال الرشيد: «هذه - والله - هي التربة التي رأيتها في منامي»، وأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بها، وذكر وهو يجود بنفسه قول الشاعر:
وإني من قوم كرام يزيدهم
شماسا وصبرا شدة الحدثان
ومات وهو ابن خمس وأربعين سنة، ويحدثنا المؤرخون أنه كان جميلا، وسيما، أبيض، جعد الشعر، وقد وخطه الشيب في آخر أيامه.
| خاتمة
ونحن إذا أحصينا عمر الخلفاء الأمويين والعباسيين، وجدنا متوسط حياتهم بين الخمسة والأربعين والخمسين، وبعبارة أدق حول 48 سنة، وإنما قصر عمرهم لشدة مشاغلهم، وإفراط أكثرهم في الشهوات، وتحملهم أكبر المسئوليات، وتناسلهم من أصل قصر عمره.
وذكر المسعودي عن محمد بن علي العبدي العباسي الخراساني الأخباري أن الخليفة القاهر - وكان شديدا متقلبا متلونا يهابه الناس، ويخشون صولته - قال للعبدي هذا: «أخبرني عن بني العباس أخلاقهم وشيعهم من أبي العباس إلى من دونه» فقال العبدي: «على أن لي الأمان يا أمير المؤمنين» قال: «ذلك لك»، قلت: «أما أبو العباس عبد الله فكان سريعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله في الشرق والغرب، واستنوا بسيرته، أما المنصور فكان - والله - أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس بن عبد المطلب، وبين آل أبي طالب، وقد كان أمرهم قبل ذلك واحدا، وكان أول خليفة قرب المنجمين، وعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجم، وأسلم على يديه، وإبراهيم الفزاري المنجم، وعلي بن عيس الإسطرلابي المنجم، وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات الأعجمية إلى العربية؛ منها كتاب كليلة ودمنة، وكتاب السند هند، وترجمت له كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب الأرثماطيقي، وكتاب إقليدس، وسائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية، وخرجت إلى الناس فنظروا منها، وتطلعوا إلى علمها، وفي أيامه وضع محمد بن اسحاق كتاب المغازي والسير وأخبار المبتدأ، ولم تكن قبل ذلك مجموعة ولا معروفة ولا مصنفة، وكان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فاتخذ ذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقط العرب وزال بأسهم، وذهبت مراتبهم.
ولما أفضت الخلافة إلى المنصور نظر في العلوم، وقرأ المذاهب، وارتاض في الآراء، ووقف على النحل، فكثرت في أيامه روايات الناس، واتسعت عليهم علومهم، وجاء بعده المهدي فكان سمحا سخيا كريما جوادا، فسلك الناس في عصره سبيله، وذهبوا في أمرهم مذهبه، واتبعوه في مساعيهم.