فما رأيت أحدا من أولاد الخلفاء وأعضاء هذه الشجرة المباركة؛ أعذب ألسنا، ولا أحسن ألفاظا، ولا أشد اقتدارا على تأدية ما حفظ منهما، ودعوت لهما دعاء كثيرا، وأمن الرشيد على دعائي، ثم ضمهما إليه، وجمع يديه عليهما، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج.
فلما خرجا أقبل علي فقال: «كأنك بهما، وقد حم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وبلغ الكتاب أجله، قد تشتتت كلمتهما، واختلف أمرهما، ثم لم يبرح ذلك حتى تسفك الدماء، وتقتل القتلى، وتهتك ستور النساء، ويتمنى كثير من الأحياء أنهم في عداد الموتى»، قلت: «أيكون ذلك يا أمير المؤمنين لأمر رئي في أصل مولدهما، أو لأمر وقع لأمير المؤمنين في مولدهما»، فقال: «لا والله، إنما بأثر حمله العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء.»
ومرة أخرى قال لمروان الخادم: «علي بحيى»، فما لبث أن أتاه، فقال: «يا أبا الفضل! إن رسول الله مات في غير وصية، والإسلام جذعة، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة؛ فقد آمنها الله تعالى بعد الخوف، وأعزها بعد الذل، فما لبث أن ارتد عامة العرب على أبي بكر، وكان من خبره ما قد علمت، وإن أبا بكر صير الأمر إلى عمر، فسلمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيرها عمر شورى، فكان بعده ما قد بلغك من الفتن، حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد، وتصييره إلى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ووهنه، وهو عبد الله «المأمون»، وبنو هاشم مائلون إلى محمد «الأمين» بأهوائهم، وفيه ما فيه من الانقياد لهواه، والتصرف مع طويته، والتبذير لما حوت يده، ومشاركة النساء والإماء في رأيه، فإن ملت إلى عبد الله أسخطت بني هاشم، وإن أفردت محمدا بالأمر لم آمن تخليطه على الرعية، فأشر علي في هذا الأمر برأيك، فلك مشورة يعم فضلها ونفعها، فإنك بحمد الله مبارك الرأي لطيف النظر.»
فقال: «يا أمير المؤمنين! إن كل زلة مستقالة، وكل رأي يتلافى خلا هذا العهد، فإن الخطأ فيه غير مأمون، والزلة فيه لا تستدرك، وللنظر فيه مجلس غير هذا، فعلم الرشيد أنه يريد الخلوة، قال الأصمعي: «فأمرني بالتنحي ... فقمت، وقعدت في ناحية بحيث أسمع كلامهما، فما زالا في مناجاة ومناظرة طويلتين حتى مضى الليل وافترقا على أن عقد الرشيد الأمر لعبد الله مع محمد.»
وهكذا كان الرشيد كأنه يقرأ حجب الغيب، وكان يتخوف من النتائج التي قد تنجم من هذا العهد، ويفكر ويطيل التفكير، ويستشير ويكثر الاستشارة.
فما مات الرشيد حتى نقض الأمين العهد، وأراد أن يخلع المأمون، وينفرد بالسلطان، فكان بينهما من الحروب ما لا نتعرض له الآن.
وعلى كل حال، كانت هذه عقدة نفسية عند الرشيد ... حلها بهذا الشكل الذي لم ينجح.
| نهاية الرشيد
مرض الرشيد وموته
وفجأة أحس الرشيد مرضا ... فبال في قارورة، ودس قارورته في قوارير المرضى بعد أن أعلمها، ثم عرضت القوارير على الطبيب، وكان فحص البول معروفا في عصر الرشيد، فلما نظر الطبيب إلى قارورة الرشيد، قال: «عرفوا صاحب هذا الماء أنه هالك ... فليوص، فإنه لا برء له من هذه العلة» ... فبكى الرشيد، وجعل يردد هذين البيتين:
إن الطبيب بطبه ودوائه
لا يستطيع دفاع محذور أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي
قد كان يبري مثله فيما مضى
واشتد ضعفه وأرجف الناس بموته ... فدعا بحمار ليركبه، فهدلت فخذاه، فلم يثبت على السرج، فقال: «أنزلوني، صدق المرجفون.» وأثرت في نفسه هذه النبوءة، حتى كان يحلم بها.
يحدثنا جبريل بن بختيشوع، فيقول: «كنت مع الرشيد في قصره في الرقة، وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة، ويتعرف حاله ... فإن كان أنكر شيئا وصفه، ثم يتبسط فيحدثني بحديث جواريه، وما عمله في مجلسه، ومقدار شربه، وساعات جلوسه، ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالهم، فدخلت عليه في هذا اليوم، فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته مفكرا مهموما، فوقفت بين يديه مليا، فلما طال ذلك أقدمت عليه، فقلت: «يا سيدي! جعلني الله فداك، ما حالك هكذا؟ أعلة فأخبرني بها؛ فلعله يكون عندي دواؤها، أو حادثة في بعض من تحب، فذلك ما لا يدفع، ولا حيلة فيه إلا التسليم، والغم لا درك فيه، أو فتق ورد عليك في ملكك فلم تخل الملوك من ذلك، وأنا أولى من أفضيت إليه بهذا الخبر.»