تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشهد الشهود الذين شهدوا على أخيه محمد ابن أمير المؤمنين، وقد كانت هذه غلطة كبرى لم يسبق إليها؛ فلم يعهد أحد قبل الرشيد لاثنين يتوليان في وقت واحد؛ لأنه كان من البداهة أن الخليفة لا يمكن أن يتسع صدره لمنافس له، وتلك حال طبيعية، ولكنه كان تحت ضغط عقله وعاطفته؛ فهو يحب الأمين، وتطن في آذانه نغمة زبيدة والفضل بن الربيع باستمرار ليعهد إلى الأمين.

وعقل الرشيد يدعوه لأن يبايع أكفأ أولاده، وكان المأمون من غير شك أكفأهم، فسمع لعقله ببيعة المأمون، وسمع لعاطفته ببيعة الأمين، ولو خضع لعقله الأعلى لبايع المأمون وحده، واعتمد على الكفاية وحدها، وعلم أن الملك لا يتسع لرجلين كالألوهية، والله تعالى يقول:

لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا .

ولم يعتبر هارون الرشيد بتجارب الأمم وأحداث الزمان؛ فكان من أشهر الحوادث التي فيها عبرة ما حدث للإسكندر؛ فقد كان ملكه أكبر من ملك الرشيد، ولما مات اقتسم قواد أربعة ملكه، فملك بطليموس مصر، وجزءا من سوريا، وملك آخر مقدونيا وبلاد اليونان، وملك الثالث بعض أجزاء آسيا الصغرى، وملك الرابع من البحر الأسود إلى نهر السند، ومع ذلك ظلوا يتنافسون ويتقاتلون، حتى انحطت مقدونيا لهذه الفتن الداخلية، وانتهت هذه المأساة باستيلاء الرومانيين على بلاد اليونان، وضمها إلى أملاكها ... حتى أصبحت اليونان جزءا من مملكة الرومان تفقد استقلالها، وتعيش تحت حكمها، وهكذا أحداث التاريخ. •••

وشيء آخر جره هذا التصرف، وهو أن أبناءه هؤلاء لما طمعوا في الملك استثقلوا حياته، وتمنوا موته، حتى شكا الرشيد لبعض خاصته من أولاده وقال: «إنهم يحصون علي أنفاسي، إنني الساعة أدعو ببرذون فيجيئوني به أعجف؛ ليزيدوا في علتي.»

ومما زاد الطين بلة أمران:

أولاهما:

أنه أحيا العصبية البغيضة إلى أقصى حد؛ فتعصب العرب للأمين، وتعصب الفرس للمأمون، وتقاتل قتالا عنيفا شديدا تذكيه هذه العصبية، حتى إذا انتهت الحرب العنيفة لم يعد العنصران نافعين كما ذكرنا.

وثانيهما:

أنه وضع القوة الحربية كلها في يد المأمون، وكانت القوة الحربية التي في يد الأمين مصطنعة؛ لا تمدها إلا العصبية العربية؛ ولذلك انتصر المأمون، يضاف إلى ذلك أن العرب قد غلبهم الفرس وأخضعوهم وأذلوهم من أول بدء الخلافة العباسية إلى عهد المأمون، فلم تكن فيهم بقية صالحة.

ويروون أن الكتاب لما رفع ليعلق، وقع ... فقيل: إن هذا الأمر سريع الانفضاض، وكذلك كان، فلم تنفع المواثيق والأيمان بجانب ما في النفس البشرية من طمع وحرص وكراهية للمشاركة في الملك والسلطان، وقد حدثت الرشيد نفسه بهذا، وتوقع الشر بينهما علما بالطبيعة البشرية فروى الكسائي قال:

دخلت على الرشيد، فلما قضيت حق التسليم والدعاء، وثبت للقيام، فقال: «اقعد!» فلم أزل عنده حتى خف عامة من كان في مجلسه، ولم يبق إلا الخاصة، فقال لي: «يا علي، ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله؟» قلت: «ما أشوقني إليهما يا أمير المؤمنين، وأسرني بمعاينة نعمة الله على أمير المؤمنين فيهما»، فأمر بإحضارهما، فلم ألبث أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هدوء ووقار، قد غضا أبصارهما، وقاربا خطوهما، حتى وقفا على باب المجلس فسلما على أبيهما بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء، فأمرهما بالدنو منه، فصير محمدا عن يمينه، وعبد الله عن يساره، ثم أمرني أن أستقرئهما، وأسألهما، ففعلت، فما سألت عن شيء إلا أحسنا الجواب فيه، والخروج منه، فسر بذلك الرشيد حتى تبينته فيه، ثم قال لي: «يا علي! كيف ترى مذهبهما وجوابهما»، فقلت: يا أمير المؤمنين هما كما قال الشاعر:

أرى قمري مجد وفرعي خلافة

يزينهما عرف كريم ومحتد

يا أمير المؤمنين! هما فرع زكا أصله وطاب مغرسه، وتمكنت في الثرى عروقه، وعذبت مشاربه، أبوهما أغر، نافذ الأمر، واسع العلم، عظيم الحلم، وسيحكمان بحكمه، ويستضيئان بنوره، وينطقان بلسانه، ويتقلبان في سعادته.

هارون الرشيد · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٥٥