وكان الناس قبله يعلمون الفتيات غير الجميلات؛ حرصا على الفتيات الجميلات، وتنحية لهن من هذا المأزق، فجاء الموصلي بحسن ذوقه، فأدرك أن تجارته لن تروج إلا إذا علم الفتيات الجميلات، فدر ذلك عليه مبلغا من المال طائلا، وقد نجحت مدرسته نجاحا باهرا ... فانتشرت تلميذاته في بيوت الأغنياء من أمراء وتجار، فكنت إذا مشيت في شوارع بغداد أو في شوارع المدن سمعت أصواتهن تتجاوب في كل مكان. •••
وشيء آخر عظيم الفائدة، كان أيضا من برنامج مدرسته يعلمه في جد واتقان، وهو فن الظرف، وهذا فن واسع ربما يمثله خير تمثيل «كتاب الوشاء»، وإن كان قد ألفه بعد ذلك العهد بقليل.
فكان يعلمهن درسا في ألوان الملابس، ومناسباتها للحفلات، ومناسبة بعضها لبعض، ومناسبتها للنعال.
ودرسا ثانيا فيما يصلح أن ينقش على الخواتيم والفصوص، ودرسا ثالثا في التعطر والتطيب، ودرسا رابعا في تصفيف الموائد والأطعمة، وكيفية الأكل من وجوب تصغير اللقم والتحرز من الشره، وعدم تلطيخ الأصابع، وعدم تجاوز ما بين أيديهن، وعدم إفساد رائحتهن بأكل الثوم والبصل، ونحو ذلك، وعدم التخلل على المائدة قبل أن تفرغ، ونحو ذلك.
ودرسا خامسا في الزهور والورد، وكيف تنظم الطاقات، ثم ينتقل في الدروس الأخيرة من الماديات إلى المعنويات: فكيف يتحدثن فيحسن الحديث، وكيف يجب أن لا يداخلن أحدا في حديثه، ولا يتطلعن إلى مكتوب يقرؤه قارئ، ولا يقطعن على متكلم كلامه، ولا يحاولن أن يستمعن إلى أحد يتحدث في سر، ولا يسألن عما ووري عنهن علمه، ولا يتكلمن فيما حجب عنهن فهمه، ولا يتثاءبن في المجلس، ولا يتمطين، ولا يمددن أرجلهن، ولا يمسسن أنوفهن بأيديهن، ثم يعلمهن أنهن إذا أهدين أهدين الشيء اللطيف الخفيف، كالتفاحة المنقوشة الواحدة، والأترجة الواحدة، والغصن من الريحان، والطاقة من النرجس، ونحو ذلك، ويعلمهن أيضا كيف يكتبن الكتب الظريفة لمن يحببن، أو لمن يشكون، ونحو ذلك، وكيف ينقشن على قمصانهن، وأرديتهن، وأكمامهن، وعصائبهن، ومناديلهن، ونعالهن، وما يكتبنه بالحناء على راحتهن وأبدانهن، وما ينقشنه على أواني الفضة والذهب والكاسات والأقداح، وعلى آلات الموسيقى من العيدان والطبول والدفوف والنايات.
وعلى الجملة فكان يعلمهن قوانين الظرف بجانب قوانين الغناء، ويعلمهن ما نسميه اليوم ب «الإتيكيت».
ويؤلف فيه المسلمون قبل ما يؤلف فيه الغربيون اليوم بعد أكثر من ألف سنة، وكان له في ذلك فضلان: فضل نشر الغناء في العالم الإسلامي، ونشر طرق الإتيكيت، وكانت هذه الأشياء كلها تغلي ثمن الجارية أضعاف ما كانت، وبفضل هذه المدرسة فاقت العراق الشام والحجاز، فقد كان الشام مركز اللهو والظرف في عهد الأمويين.
أما في العهد العباسي ففاقته العراق، والسبب في ذلك أمران: الأمر الأول أن العراق كان مصب أموال الدولة فكل قطر يبعث للخليفة ما تبقى من الصرف عليه، والمال هو عصب الحياة يتبعه اللهو حيث كان؛ فالغناء والشراب إنما يكونان حيث يكون الترف، والترف يكون حيث يكون المال، والعراق أكثر البلدان وأعزها جاها، وكل نابغ في فن - ومنه الأدب - إنما تنفق سوقه في العراق، ومن نبغ في غيره، ولم يذهب إليه خمد ذكره وضاع فنه؛ فأي مغن مشهور لم يكن في العراق، وأي نابغة في الشعر لم يكن في العراق، وأي لؤلؤة كبيرة، أو ياقوتة عظيمة، أو عقد مرصع بديع لم يرسل إلى الخليفة في بغداد.
والأمر الثاني أن العراق كان أكثر بلاد الله خليطا؛ فقديما تعاقبت عليها الأمم والمدنيات، وفي العصر العباسي كان حاضرة الخلافة ومقصد الناس، وكان مسكن العنصر الأرستقراطي من الفرس، وعلى مقربة من بغداد إيوان كسرى ، وبغداد محط الراحلين من الهنود والعرب والروم وغيرهم، وكل جنس من هذه الأجناس يعرض خير ما عنده، وإن أدركت سائر الأقطار طرفا من زينة ولهو وغناء وشعر، فمن بغداد تقتبس.