تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه - لا الحروب ولا الانتصارات - هي التي أعلت شأن الرشيد في نظر الشرقيين والغربيين، وخلدت ذكره، وأعلت مقامه، وجعلته على كل لسان، فقد نقل إليهم كتاب بطليموس وإقليدس، وعربت رسائلها، ولم تكن دراساتهم لها نظرية بحتة، بل كانت تطبق عمليا: مثل البوصلة البحرية التي مكنتهم من السير في البحار، والمهارة في التجارة، حتى ساروا إلى سواحل الهند، وجزيرة الملايا، وتوغلوا في بلاد الصين، وصارت البصرة ثغرا تجاريا هاما، وكالساعة الدقاقة التي اخترعها العرب، ويصفونها بأنها كانت إذا جاء موعد الساعة دقت، وخرج منها رجال على الخيل بعدد الساعات، فإذا انتهت الدقات دخل الخيالة.

وكان مما خلد الرشيد مجالسه المتنوعة المتعددة؛ فمجلس غنائه كان عماده إبراهيم الموصلي، ثم من بعده ابنه إسحاق، وزلزل الدفاف، وبرسوم الزامر، وإبراهيم الموصلي هذا كان زينة مجلس الرشيد، وإطارا لشخصيته كما تصوره لنا ألف ليلة وليلة، وهو فارسي الأصل أبا وأما، رزقه الله حسن الصوت على خير ما يرزق المغنين في جميع العصور، ورزق إلى حسن صوته جودة إنشائه للشعر وحسن تلحينه.

يروى عنه أنه أنشأ ولحن وغنى قوله:

ربما نبهني الإخ

وان والليل بهيم

حين غارت وتدلت

في مهاويها النجوم

ونعاس الليل في عي

ني كالثاوي مقيم

للتي تعصر لما

أينعت منها الكروم

أنا بالري مقيم

في قرى الري أهيم

ما أراني عن قرى الري

ي مدى دهري أريم

وكان من أصل فقير هرب من فارس، ونشأ يتسكع في البلاد، وكان في كل بلد طائفة من الشبان الخليعين، لا ميل لهم إلى الجد يقضون حياتهم في شراب ونساء وغناء، وقد شهروا بالمروءة والنجدة، خصوصا إذا نزل عليهم ضيف من أمثالهم.

وهؤلاء الطائفة تسمى «الفتيان»، وهي كالتي نسميها اليوم بالبوهيميين، وذلك قبل أن تتطور كلمة «الفتيان» إلى المعنى التركي، فتأخذ شكلا دينيا، وشكل اتحاد عمال معا، وقبل أن يتخذها الصوفية في لغتهم فيطلقونها على جماعة الصوفية المتدينين ذوي المروءة.

واشتهر إبراهيم بينهم بحسن الصوت فأعجبوا به، وكان في إحدى مراحله بالموصل فسمي «إبراهيم الموصلي»، ثم ذاع ذكره وحسن تلحينه وغنائه، فاستدعاه الخليفة المهدي، ولكن كان به آفة، وهي أنه كان لا يكاد يفيق كزملائه الفتيان، والمهدي لم يكن يشرب، ولا يحب الشاربين، إلا ما كان أجازه لجبريل بن بختيشوع إذ كان لا بد أن يشرب، والمهدي لا يستطيع الاستغناء عنه فأباح له أن يشرب هو، فطلب المهدي من إبراهيم الموصلي ألا يشرب فلم يستطع، ووجدت عقدة في بيت المهدي، وهي أن في البيت ابنين، وهما الهادي والرشيد، ويخاف عليهما الانغماس في الشراب، ويخاف عليهما من مخالطة الموصلي، ويخاف أن يجتمع عليهما حسن شعر الموصلي وحسن تلحينه وحسن غنائه، منضما ذلك كله إلى شباب الهادي والرشيد وغناهما وترفهما، فإذا هما سكيران لا يصلحان للخلافة.

ورعب من تلك النتيجة التي تخيلها بحق، فأخذ الأيمان الموثقة على إبراهيم الموصلي ألا يشرب بحضرة الهادي والرشيد، وكيف ينفع التحذير، وكل العوامل ممهدة لهذه النتيجة ... جاذبية الموصلي، وقابلية الهادي والرشيد لهذه الجاذبية ...

فأتت الجواسيس المهدي يوما تقول: إنه غناهما وفتنهما فشربا معا، فجن جنون المهدي من هذه الفعلة؛ خصوصا بعد أن استوثق منه، فضربه ضربا مبرحا، ثم نهاه، ثم عاد فأقصاه عن القصر، ووضعه في السجن، وأمر بتعذيبه فيه تعذيبا شديدا، ولكن كان من حسن حظه أن مات المهدي، وجاء الهادي الذي حبس الموصلي من أجله، فاستنجد به فأنجده، ومنحه الهادي مالا كثيرا حتى أصبح ثريا، واتخذه نديما له حتى مات.

مدرسة الموصلي

وبلغ الموصلي ذروته في عهد الرشيد ... فقد كان الرشيد أحب للموصلي، وأحب لغنائه فقربه إليه، وجعله زينة مجلسه، وصار يتكسب من الرشيد، ومن مدرسة أخرى اهتدى إليها، وهو أنه كان يأتي بالفتيات الجميلات فيعلمهن التلحين، ويعلمهن الغناء، وأقبل الناس على تلميذات مدرسته إقبالا شديدا؛ إذ كان قد اجتمع لهن جمال الشكل، وجمال التلحين، وجمال الصوت.

هارون الرشيد · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٤٣