وكان من حسنات إبراهيم الموصلي زرياب المغني؛ فقد كان تلميذا لإسحاق، وكان يحضر معه مجلس الرشيد، ثم اختلف معه ففر إلى الأندلس، وكانت سبقته شهرته إليها، فاستقبل فيها استقبالا حسنا، ولم يكن زرياب مغنيا فقط، بل كان عالما أديبا أيضا، فنشر في بلاد الأندلس موسيقاه التي تلقاها عن إبراهيم الموصلي وعلمه فنه؛ فكان أيضا من حسنات الرشيد بالوساطة.
وزان زرياب مجالس عبد الرحمن الداخل، كما زان أستاذه الموصلي مجالس الرشيد، واجتهد زرياب أن يجعل من قرطبة ما رآه في بلاط الرشيد في بغداد من فخفخة وعظمة، وأن يحمل عبد الرحمن على البذخ والترف كما كان الرشيد، وينقل حضارة بغداد إلى قرطبة، فنجح في ذلك إلى حد كبير؛ لأنه كان عظيم الشخصية، وقد أجرى عليه عبد الرحمن الداخل ثلاثة آلاف دينار في السنة، وأعطاه عقارا بقرطبة قيمته أربعون ألف دينار، وقربه إليه وجعل مرتبته مرتبة عظيمة.
وقد قالوا عنه: إنه كان يعرف عشرة آلاف لحن بأشعارها ونغماتها، ولم يقتصر على الغناء والشعر، بل كان يعلم الفلك والجغرافيا، وكان قد أخذ عن أستاذه الموصلي فن الظرف واللباقة الذي كان يعلمه الموصلي في بغداد للجواري الحسان، ونشر أيضا الذوق في قرطبة، وغير من زي الرجال؛ فقد كان الرجال يرسلون شعورهم طويلة، ويفرقونها في مقدم الرأس، فابتدع لهم طريقة جديدة، فأصبح الزي الرائج بعده أن يحسر الرجل شعره بعد أن يقصره، وكان الأندلسيون يشربون الماء بآنية معدنية، فعلمهم أن يشربوه بأقداح من زجاج، ونشر في الأندلس نوعا من الطعام كان محببا إليه هو الهليون، وابتدع أيضا أنواعا من الأطعمة اللطيفة تنسب إليه؛ منها النوع المعروف بالزريابية ... فلعله هو الذي حرفه العوام فيما بعد إلى زلابيا. •••
وعلى الجملة، فقد كان من حسنات الرشيد - وإن لم يعلم - نقل حضارته ومجالسه وترفه إلى الأندلس بوساطة زرياب.
وكان الموصلي - كما قلت - بلدي البرامكة يغنيهم كما يغني الرشيد، ويضع الأصوات في مدحهم مثل قوله:
ويفرح بالمولود من آل برمك
بغاة الندى والسيف والرمح والنصل
وتنبسط الآمال فيه لفضله
ولا سيما إن كان من ولد الفضل
ولا يبعد أن يكون أبو إسحق الموصلي بحكم بلديته للبرامكة، كان ينقل إليهم ما كان يدور في مجلس الرشيد مما يتصل بهم من قريب أو بعيد، ولكن الرشيد أبقى على رأسه لما طاح برؤوسهم؛ لأنه لم يكن يتدخل في سلطة الرشيد، ولا سلطة البرامكة، ولأن الرشيد كان في حاجة إليه؛ إذ كان لا يستغني عن صوت جميل، ولحن جميل، وليس للموصلي في ذلك نظير.
وعلى الجملة كان للرشيد ذوق مرهف في سمع الغناء ونقله، حتى ليحكون أنه سمع الموصلي مرة فقال له: إنك أخطأت في لحنك مرتين ... فعجب الموصلي من ذلك، وخرج يتحدث به، وكان مما عرف عنه أنه أمر بأن يختار له مائة صوت «لحن» أو«دور»، وهي التي بنى عليها أبو الفرج الأصفهاني كتابه الأغاني، ثم أمرهم أن يختاروا منها عشرة، ثم أمرهم أن يختاروا من العشرة ثلاثة، فكانت هذه الثلاثة لحنا لمعبد، ولحنا لابن سريج، ولحنا لابن محرز.
الأصمعي وأبو عبيدة
ومجلس آخر هو مجلس جد ولغة وشعر، يكون عماده الأصمعي وأبا عبيده والكسائي؛ فأما الأصمعي فكان رجلا عربي الأصل محتفظا بعربيته في ملبسه ونبرات صوته، وقد رحل إلى البادية وسمع من أهلها لغة وأدبا، وعلى الأخص «ملحا» ونوادر، فكان يتخير منها ما يناسب مجلس الرشيد، ويتحدث إليه، ويسأله الرشيد عما يجهله، ويسمع منه ملحه ونوادره، ويتفقده الرشيد حين يغيب عنه.
وأما أبو عبيدة فيهودي الأصل، ليس له خفة روح الأصمعي ولا ملحه ولا نوادره، وإنما كان له مهارة في ناحية أخرى يمتاز بها، وهي معرفته بأخبار الأمم من عرب وغيرهم، وكان يسر الرشيد بذكره مثالب بني أمية، هذا إلى علم باللغة واسع، وإن لم يبلغ مبلغ الأصمعي؛ سأله الفضل بن الربيع يوما: «كيف يعبر الله سبحانه عن شيء لم تعرفه العرب ولم تره؛ إذ قال: