تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأن كل نعيم أنت ذائقه

من لذة العيش يحكي لمعة الآل

ومن الناحية الأخرى كان مثل أبي نواس على عكس مذهب أبي العتاهية؛ يتغزل في الذكور والنساء والزهر والخمر، فكان يذكر في شعره إبليس والخمر، كما يذكر أبو العتاهية في شعره الجنة والنار؛ كالذي يقوله أبو نواس:

وليلة طال سهادي بها

فجاءني إبليس عند الرقاد

وقوله:

هل لك في قهوة معتقة

عتقها العاصر من عهد عاد

وقوله:

رق الزجاج وراقت الخمر

وتشابها فتشاكل الأمر

فكأنما خمر ولا قدح

وكأنما قدح ولا خمر

إلى كثير من أمثال ذلك ...

والرشيد يستجيب لنصح ذاك، وتهتك هذا ... ولإمعان الناس في عهد الرشيد في الشراب فلسفوه، وأكثروا القول فيه، حتى لم يقل شعراء في لغة ما قالوه في هذا العصر، وتفننوا فيه فأخذوا لونا من الشراب من الروم، وهو خمر ممزوج بالعسل، ونقلوا اسمه الرومي - وهو الرساطوني - ولم يأتمروا بأمر الإسلام؛ إذ يقول:

إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون .

ومن أجل الهروب من هذا الأمر أخذوا يتفننون في الأسئلة؛ ما المراد بالخمر؟ أهو يشمل النبيذ أو لا يشمله؟ وما القدر الذي يحل والذي يحرم، وما النوع الذي يحرم وما النوع الذي يحل؟

ويظهر أن الإمام أبا حنيفة كان يتبع عبد الله بن مسعود في تحليله لنبيذ التمر، والزبيب، إذا طبخ، أو في شرب قدر منه لا يسكر، وكذلك نبيذ العسل والتين والبر.

وأخذ الشعراء يتفكهون في شعرهم بحرمة الخمر كالذي قال:

من ذا يحرم ماء المزن خالطه

في جوف خابية ماء العناقيد

إني لأكره تشديد الرواة لنا

فيه ويعجبني قول ابن مسعود

وقد اشتهر بينهم أن الفقيه الحجازي يحرم النبيذ، والفقيه العراقي يحلله؛ ولذلك قال شاعرهم:

رأيه في السماع رأي الحجاز

وهو في الشرب رأي أهل العراق

ويقول آخر:

أباح العراقي النبيذ وشربه

وقال حرامان المدامة والسكر

وقال الحجازي الشرابان واحد

فحل لنا من بين قوليهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما

وأشربها لا فارق الوازر الوزر

وطائفة أخرى لا تحب أن تتحمل أو تتمحك؛ فإما أن يتركوها تركا تاما، أو يهجروها هجرا تاما.

قال أبو نواس:

فإن قالوا حرام قل حرام

فإن لذاذة العيش الحرام

ويقول:

ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر

ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

وهكذا أصبح النبيذ والخمر أمرين شائعين بين الناس لا يخلو منهما بيت من بيوت العظماء والأغنياء.

وتسربت عوائد الفرس والروم والعرب إلى الناس ...

وكان من ذلك كله أدب غزير في الخمر وأوصافها، والندمان وأوصافهم وعيوبهم ومحاسنهم، حتى ملأ الأدب العربي، وحتى إن الصوفية كابن الفارض وغيره قلدوا الماجنين في قولهم في الشراب، وغزل المذكر، وغزل المؤنث، وإن لم يكن هناك خمر ولا نساء ولا ذكر.

إبراهيم الموصلي

وبجانب الشعر الغناء ... جاءت طبقة من المغنين أخذت أصول الغناء عن ابن سريج، وابن محرز المكيين، ومالك ، ومعبد المدنيين، واشترك النساء في الغناء، وغنين الغناء العربي والفارسي، ووجدت مدارس للغناء تتناحر وتتسابق، وقد شجع البرامكة الغناء الفارسي، وإلى جانب الغناء الرياضة، وهناك القصص اللطيف الذي يحكي أمور الماضين والحاضرين، ويسجل أحداثهم، ولم يقف في التاريخ عند حد الروايات عن الماضين؛ فقد ركبوا البحار، ودونوا الرحلات، وأدخلوا في التاريخ ما شاهدوه وما سمعوه، وكما اشتهرت بغداد أم الحضارة بهذه الأشياء كلها، كانت دمشق ومصر صورة مصغرة.

ولم يكتف الأمر بهذا، بل أفسحوا صدورهم اعتزازا بمدينتهم إلى الوفود تأتيهم من الروم وغير الروم، يعجبون بما يرون من حضارة لا قبل لهم بها، ويذهبون إلى بلادهم فيتحدثون بما شاهدوا وما سمعوا، ويقلدون ما يستطيعون تقليده، وقد روى التاريخ كلمات كثيرة عن القساوسة والمستشرقين يحضون قومهم على أن يفعلوا فعل المسلمين. •••

هارون الرشيد · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٤٢