تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، إن الخطأ لا يبرر الخطأ ... ولكن سقنا هذا لنبين أن ما فعله الرشيد بالبرامكة هو طبيعة العصر وسنة ذلك الزمان، بل نجد في عصرنا الحاضر أمثال ذلك ... فقد نكل ملك فرنسا بالمسيو فوكيه، ونكل هتلر باليهود، ونحو ذلك كثير.

على أن المؤرخين يروون عن الرشيد ندمه على فعلته، وضيق صدره مما كان، حتى ربما كان ذلك سببا من أسباب رحيل الرشيد بعد قليل من النكبة من قصر الخلد ببغداد إلى الرقة بالجزيرة ... لئلا تقع عينه على مساكنهم، ولا تثير الحزن في نفسه المناظر التي كان يراها، والمجالس التي كان يجلسها مع جعفر البرمكي، ونحو ذلك، يضاف إلى سبب انتقاله ثورات الشام المتوالية، وحاجته الشديدة إلى القرب منها لسهولة قمعها. •••

ولا شك أنه كانت من مزايا البرامكة أنهم تحملوا عبء الدولة كله عن الرشيد أيام كان غضا طريا لم ينضج بعد، فلما نكل بهم كان في سن ناضجة يستطيع أن يتحمل العبء الكبير الذي خلفوه؛ فقد كان في يدهم مناصب الوزارة، ومناصب الجيش الكبرى والإدارة، فحمل الرشيد كل ذلك.

وقد صمم الرشيد على قتل جعفر، وسجن يحيى، وبقية أولاده، فصادر أموالهم الكثيرة، ونكل بمن مدحهم، أو ظل يمدحهم بعد نكبتهم إلا القليل، وأصبحت هذه الأسرة أسرة بائسة ذاقت من البؤس والشقاء بمقدار ما ذاقت من النعيم والرفاهية.

وتوفي يحيى، وهو في السجن ... ولحق به ابنه الفضل.

المواليا

وكان مما يؤثر أنه في عهد الرشيد ظهر نوع جديد من الشعر يقال له المواليا، ظهر في بغداد بعد الفتك بالبرامكة؛ فقد ذكروا أن الرشيد لما قتل جعفرا البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر، فرثته جارية له في بيتين على وزن خاص، وجعلت تنشدهما، وتقول: يا مواليا يا مواليا ... إلخ ... فلا كان شعرا ولا كان نثرا، وهما:

يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس

أين الذين حموها بالقنا والترس

قالت تراهم رمم تحت الأراضي الدرس

سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس

وهذا النوع هو الذي تطور فيما بعد، وتطور اسمه من مواليا إلى مواويل، جمع موال.

الثورات في عهد الرشيد

وقد تعددت الثورات في عهد الرشيد لأسباب مختلفة، أوقعت الدولة أحيانا في أزمات حرجة لولا حزم الرشيد وهمته ورجاله ... منها: غيظ الروم من عظمة المملكة الإسلامية وتفوقها، والاهتمام بدس الدسائس لإضعافها، ومنها: ميل الشاميين للدولة الأموية وحزنهم عليها، وغضبهم من الإيقاع بالأمويين، وتمنيهم أن تعود السلطة للعرب، يدل على ذلك ما عرف عن الدولة العباسية من غلبة سلطان الفرس عليها ... حتى ليروون أن رجلا من الشاميين صرخ في المأمون عند زيارته للشام يقول له: انظر إلينا كما نظرت إلى الفرس، ومنها: الحزب العلوي الذي كان يكره العباسيين أشد الكره بعد أن ضحك العباسيون عليه، ثم تخلوا عنه.

وقد ظلوا يحافظون على بيتهم، ويتطلعون إلى الحكم، وكلما مات إمام مستتر، أو قتل، خلفه إمام آخر ينتظر للوقت المناسب.

ومنها: خروج الخوارج الذين ظلوا من عهد أن تكونوا في عصر علي يحافظون على مذهبهم، ويخرجون من حين إلى آخر، يودون تحقيق أمنياتهم، واستيلاء أحد من رجالاتهم على الدولة فيقضي فيها بكتاب الله وسنة رسوله، ولو كان عبدا حبشيا، لا يرضون عن أمويين ولا عن عباسيين؛ لأنهم في نظرهم كافرون، أو على الأقل ظالمون، أسرفوا في الشراب، وأسرفوا في النساء والغناء، وما إلى ذلك من بذخ ... فوجبت إزالتهم عن الملك وتولية من يصلح لهذا الغرض على مبادئهم.

ومنها أن بعض البلاد البعيدة رغبت في الاستقلال عن الخلافة، وحكم نفسها بنفسها، وعدم الخضوع للسيطرة العباسية عليها، إلى غير ذلك ... •••

كل هذا كانت تواجهه الدولة العباسية ... وبكلمة أوجز كان يواجهه الرشيد من حين إلى حين؛ فما نشبت ثورة وخمدت إلا قام غيرها، وبجانب ذلك كان الرشيد نفسه يريد أن يضعف الروم حتى لا يدسوا له الدسائس؛ فأنشأ مدينة تسمى العواصم للإعداد لغزو الروم منها، وكان يدبر لهم غزوة في الصيف تسمى الصائفة قد يقود جيشها بنفسه فيغنم الغنائم الكثيرة التي كانت تعد بابا كبيرا من أبواب الدخل، وغزوة في الشتاء تسمى الشاتية، ونحو ذلك.

هارون الرشيد · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٣٩