فمن النوع الأول:
مثلا - أن ثار أهل الخزر في أيام الرشيد بتحريض من البيزنطيين، وعقدوا معهم شبه تحالف، وأغاروا على أرمينية، وأفسدوا في البلاد، وأعملوا فيهم السيف، ومثلوا بالسكان الآمنين على نحو لم يسبق له نظير، فاضطر الرشيد أن يبعث إليهم حملات قوية تعاملهم بالقسوة والرعب، فانتصروا عليهم، وأخمدوا ثورتهم.
ومن النوع الثاني:
ما قام به أهل الشام من ثورات متعددة، ثورة بعد ثورة، مما جعل الرشيد يفضل انتقاله من بغداد وسكناه في الرقة كما ذكرنا.
ومن النوع الثالث:
ما قام من ثورات علوية تريد الاستيلاء على الخلافة، وقد ظهر في أيام الرشيد الإمام موسى الكاظم الذي سمي كاظما لصبره وكظم غيظه ودماثة خلقه، ومقابلته الإساءة بالإحسان، وكان محبوبا من جميع أهل المدينة، فخشي منه الرشيد، وأمر بالقبض عليه، وأتى به إلى بغداد، وسلمه إلى أخت السندي بن شاهك ... وكانت امرأة فاضلة عاملت سجينها بالعطف والإحسان، فظل مسجونا حتى توفي في منزل سجينته، وخلفه في إمامة الشيعة ابنه علي الرضا، وكان أعلم أهل بيته في الفقه والآداب.
ومن النوع الرابع:
ما ظهر من الوليد بن طريف الشاري الشيباني، وقد كان زعيم الخوارج في أيامه، وكان شجاعا فتاكا يقيم بنصيبين والخابور، فخرج في خلافة الرشيد في حشد حاشد، فأرسل إليه هارون يزيد بن مزيد الشيباني فظهر عليه يزيد وقتله.
وكان للوليد هذا أخت تسمى الفارعة تجيد الشعر، وتسلك سبل الخنساء في مراثيها لصخر، وقد رثت أخاها الوليد في قصيدة من قصائدها بقولها:
فيا شجر الخابور ما لك مورقا
كأنك لم تجزع لموت طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى
ولا المال إلا من قنا وسيوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى
فإن مات لا يرضى الندى بحليف
فقدناك فقدان الشباب وليتنا
فديناك من فتياتنا بألوف
وما زال حتى أزهق الموت نفسه
شجى لعدو أو ندى لضعيف
ألا قاتل الله الحشا حيث أضمرت
فتى كان للمعروف غير عيوف
فإن يك أرداه يزيد بن مزيد
فرب زحوف لفها بزحوف
عليك سلام الله وقفا فإنني
أرى الموت وقاعا بكل شريف
وكان الوليد يوم الوقعة ينشد:
أنا الوليد بن طريف الشاري
قسورة لا يصطلى بناري
جوركم أخرجني من داري
وقد تزعمت الفارعة حركة الثوار بعد مقتل أخيها، وتولت القيادة بنفسها، واشتبكت مع جيش الرشيد في معركتين داميتين حتى نهرها أحد أقاربها ... فأمرها أن تلقي السلاح، وتعود إلى خدرها، وكانت وسيمة الطلعة، رشيقة القوام، أديبة ظريفة، تحفظ الشعر وتقوله.
ومن النوع الخامس:
أن بلاد تلمسان بالمغرب أرادت أن تنفصل عن الدولة العباسية فثارت، وحملت الدولة مبالغ طائلة لإخضاعها، وكانت مصر تدفع نحو مائة ألف دينار سنويا من إيرادها الخاص لسد عجز حكومة أفريقيا، حتى تمكن إبراهيم بن الأغلب من الاتفاق مع الرشيد على تهدئة الثورة، وتحمل المبلغ الذي تدفعه مصر، وتقديم أربعين ألف دينار سنويا إلى حكومة بغداد.
ومن النوع السادس:
أن الرشيد كان يهتم أكبر اهتمام بالروم، خصوصا بعد أن أخلوا سنة 180 بشروط الهدنة التي كانت إيريني قد عقدتها مع المنصور؛ إذ أغاروا على البلاد الإسلامية فبعث إليهم الرشيد من هزمهم، واستولى على مدينة لهم بقرب أنقرة، وعلى أنقرة نفسها، وأعاد احتلال قبرص بعد أن خرجت من أيدي المسلمين ... وألزم الروم بدفع الجزية، وتبادل الأسرى، ولكن نقفور ملك الروم كتب إلى الرشيد - فيما يرويه مؤرخو المسلمين - رسالة غير مؤدبة يقول فيها:
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب.
أما بعد ... فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق؛ فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليها، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي، فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك ... وإلا فالسيف بيننا وبينك.