فلما نكب البرامكة - وكانوا فرسا - ضعفت العصبية للفرس أيضا كما ضعفت للعرب من قبل، وكان القتال بين الأمين والمأمون - الذي سببه غلط الرشيد في توليتهما العهد من بعده - سببا آخر في ضعف العصبيتين ... فقد تعصب العرب للأمين، وتعصب الفرس للمأمون، فضعفت العصبيتان معا؛ لأن القتال العنيف يضعف الغالب والمغلوب، ولذلك لما جاء المعتصم لم يستطع أن يعتمد على العرب ولا على الفرس، وأتى بعنصر ثالث وهو الأتراك، واعتمد عليهم، وقد تعصبوا لعنصرهم، وحاولوا إذلال العرب والفرس جميعا، ورفع شأن العنصر التركي عليهم، فنكلوا بالعرب ثم بالفرس، ثم نكلوا بالخلفاء أنفسهم ... فمنهم من قتلوه، ومنهم من سملوا عينيه، وكلهم قد سلبوا سلطته، وجردوه من حوله.
وهذا ما يصح من أجله أن يعد عهد الرشيد أول عهد بدأت فيه عناصر انحطاط الدولة العباسية، ويكون كلام المستشرق صحيحا بهذا المعنى؛ فالأتراك نتيجة لنكبة البرامكة، والأتراك هم الذين أضعفوا شأن الخلفاء وأذلوهم، وما زالوا بهم حتى سلبوهم كل سلطة ... ثم ختمت المأساة بغزوة التتار.
نقطة سوداء
وعلى الجملة كانت نكبة البرامكة نقطة سوداء في تاريخ الرشيد؛ فقد أعلى البرامكة، ثم فتك بهم، وقد زلزلت الحادثة الشرق والغرب معا؛ لأن البرامكة كانوا يحسنون معاملة الرعية، ويتولون كل شؤونهم، ويتقربون إلى الشعراء حتى قل أن نرى شاعرا لم يقل فيهم شعرا، كالذي قاله بعضهم:
ألم تر أن الشمس كانت سجينة
فلما ولى هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى
فهارون واليها ويحيى وزيرها
وقول الآخر:
أتانا بنو الأملاك من أرض برمك
فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت
بيحيى وذي الفضل بن يحيى وجعفر
فتظلم بغداد وتجلو لنا الدجى
بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر
فما خلقت إلا لجود أكفهم
وأقدامهم إلا لأعواد منبر
وقول الآخر:
رأيت يحيى أتم الله نعمته
عليه يؤتي الذي لم يؤته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبدا
إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد
وقول الآخر:
أجدك هل تدرين إن زرت ليلة
كأن دجاها من قرونك ينشر
صببت لها حتى تجلت بغرة
كغرة يحيى حين يذكر جعفر
إلى كثير من أمثال ذلك.
فالنقمة عليهم روعت الناس، من تقريب شديد إلى تنكيل شديد، من غير ما ذنب معروف جنوه.
وأما الغربيون فقد روعهم الحادث؛ لأنه لم يكن في نظرهم عادلا؛ فلم يحاكموا بتهمة معينة، ولا سمعت أقوالهم، ولا عرفت أسباب النقمة عليهم، وتجلى المنظر عن قوم في السماء وضعوا في الحضيض، ومن أيد تقبل إلى خدود ترغم ... فنقموا على الرشيد فعلته.
دفاع عن الرشيد
والحق أن هذا عيب الحاكم المستبد دائما؛ فهو عرضة لأن يفعل أقصى الخير وأقصى الشر، وهذه الحادثة مما شهرت الرشيد، فالإنسان العظيم يشتهر بما يأتي من خير وشر، ولكن عيب هؤلاء المؤرخين أنهم يقيسون دائما الزمن الماضي السحيق في القدم بزمنهم، غير مقدرين فروق الزمان والمكان، وبهذه النظرة عابوا على الإسلام - مثلا - إقراره الرقيق وتعدد الزوجات، ونحو ذلك.
ولم ينظروا إلى الرقيق قبل الإسلام، وما فعله الإسلام، ولا إلى تعدد الزوجات قبل الإسلام وبعده، كذلك لم ينظروا إلى كل ظروف الرشيد، وما يحيط به من شئون عائلية واجتماعية وغير ذلك، وقد كان الرشيد في أيامه مثالا للملك الحاكم بأمره ... فيه مزاياه، وفيه عيوبه، وما كان لأي رجل من رجال العصر الحاضر أن يفعل غير ما فعل لو عاش في زمنه، وتخلق بأخلاقه، وأحيط بالبيئات التي أحاطت به.
فلنأخذ الأمور كما جرت، ولنقسها بمقياس زمانها لا بمقياس زماننا نحن، خصوصا وأننا لم نسمع من الرشيد حججه فيما فعل، كما لم نسمع من البرامكة دفاعهم عن أنفسهم، وقد فعل أبو جعفر المنصور مثل ذلك في أبي مسلم الخراساني، وهو الذي قامت الدولة العباسية بفضله وفضل أمثاله، وكذلك قتل وزيره أبا أيوب المورياني، ووكل المهدي بمن سماهم الزنادقة، وهي أمور خفية جدا لا يعلمها إلا الله، والمتهم، وكثيرا ما يكون الشخص حر التفكير نوعا ما فيتهم بالزندقة، ويقضى عليه.