لتوضح أو لحومل فالدخول
وضب في الفلا ساع وذئب
بها يعوي وليث وسط غيل
ويقول الخريمي:
إني امرؤ من سراة الصغد ألبسني
عرق الأعاجم عرقا طيب الخبر
ويقول:
أبالصغد بأس إذ تعيرني جمل
سفاها ومن أخلاق جارتها الجهل
فإن تفخري يا جمل، أو تتجملي
فلا فخر إلا فوقه الدين والعقل
أرى الناس شرعا في الحياة ولا يرى
لقبر على قبر علاء ولا فضل
إذا أنت لم تحم القديم بحادث
من المجد لم ينفعك ما كان من قبل
ويقول المتوكل:
أنا ابن المكارم من نسل جم
وحائز إرث ملوك العجم
معي علم الكابيان الذي
به أرتجي أن أسود الأمم
فقل لبني هاشم أجمعين
هلموا إلى الخلع قبل الندم
ملكناكم عنوة بالرما
ح طعنا وضربا بسيف حذم
وعلى العموم حارب الفرس العرب بالشعوبية من طرق مختلفة: من طريقة وضع شأن العرب بما ألفوا من الكتب، ومن عيبهم آلاتهم في الحرب، ووضعهم الكتب في مناقب العجم، ومثالب العرب، وكثرت في هذه الآونة الكتب المعروفة بكتب المثالب، ووضع القصص الشنيعة في مثالب العرب، ومفاخر الفرس ... إلخ.
المدن الزاهرة
وإلى جانب بغداد كانت مدن أخرى عامرة زاهرة - وإن كانت أقل منها - وهي أيضا يتدفق المال فيها، وإن كان تدفقا أقل من تدفقها في بغداد، فقد جرت العادة أن تصرف المدينة على نفسها، وعلى ما يتبعها، وعلى عمارة ما خرب منها، ثم يرسل الباقي إلى الخليفة في بغداد، فمن أهم المدن في عصر الرشيد: البصرة، عني العرب بتخطيطها فجعلوا شارعها الأعظم ستين ذراعا، وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع، وجعلوا أوسط كل خط ميدانا فسيحا لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وقد اشتهرت بالتجارة الواسعة بين الهند والصين والمغرب والحبشة.
واشتهر أهل البصرة كذلك بالأسفار البحرية حتى قالوا: «أبعد الناس نجعة في الكسب بصري»، وبالغ الواصفون في كثرة أنهارها، وكثرة الزوارق فيها، ولعلهم لكثرة ما رووا من عدد الأنهار أنهم كانوا يعدون الجداول أنهارا، واشتهرت بالنخيل الكثير المتعدد الأنواع إلى يومنا هذا، واشتهرت كذلك من مدن العراق الكوفة، وقد عرفت بتشيعها؛ لأن الإمام عليا جعلها عاصمة خلافته إلى أن قتل، وناظرت الكوفة البصرة في المذاهب النحوية، فكان للكوفيين مذهب وللبصريين مذهب، وكان بينهما خلافات كثيرة ... وكل يدلي بحجته، كذلك اشتهرت مذاهب المعتزلة البصريين، ومذاهب المعتزلة من غيرهم، وقد كان منشأ مدرسة الاعتزال هي البصرة في حلقة من حلقات الحسن البصري. •••
واشتهرت من مدن مصر الفسطاط، وهي أول مدن المسلمين في مصر ... اتخذها العرب معسكرا لهم حين فتحوها، ثم أخذت تزدهر حتى فاقت البصرة والكوفة، وزودت في أيام العباسيين بكل ما تحتاج إليه المدن، وزاد من جمالها وقوعها على النيل، ثم كانت القيروان بالمغرب، ودمشق وحمص في الشام، والموصل بالعراق، والأهواز بفارس، ومكة والمدينة في جزيرة العرب، ولا نطيل في وصفها؛ لأن ذلك يحتاج إلى كتاب وحده، وكلها كانت سببا في ثروة الخلفاء العباسيين، وإغداقهم المال على الولاة والعمال والأدباء والفنانين.
وقد اختلفت مزايا كل قطر من ناحيته المادية والمعنوية، فلكل بلد حاصلاته، وما يتقنه كالكاغد، والنسيج، والتمر من البصرة، والثلج من جبال لبنان، والسكر من الفرس إلى غير ذلك، كما كان الشأن في العلوم؛ فحركة صوفية تنشأ في مصر، وحركة اعتزالية تنشأ في بغداد، وأدب يتأقلم بكل إقليم، ومما قاله المقدسي في ذلك: «إن إقليم العراق إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء ... لطيف الماء، عجيب الهواء، مختار الخلفاء، أخرج أبا حنيفة فقيه الفقهاء، وسفيان سيد القراء، وأبا عبيدة، والفراء، وبه البصرة التي قوبلت بالدنيا، وبغداد الممدوحة في الورى، وكوفة الجليلة، وسامرا، وقد لون كل أدب وعلم بلون أهله، ونبغ من كل بلد نابغون هم نتاج إقليمهم.»