تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ازدهار التصوف

وفي عهد الرشيد نما في العراق التصوف، والدعوة إلى الاهتمام بباطن النفس لا بظواهرها، وبحقيقة الشريعة لا مجرد أعمال الجوارح، ورياضة النفس عن طريق الزهد والعبادة، والوصول إلى المعرفة عن طريق الوحي والإلهام، وإدراك الحقيقة بالذوق والشعور لا بالمنطق والتجارب والقياس، واشتهر من المتصوفة: إبراهيم بن أدهم سنة 162، وشقيق البلخي سنة 195، ومعروف الكرخي سنة 200، وهو القائل: «التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الناس»، ثم بشر الحافي سنة 222، وهو القائل للمحدثين: «أدوا زكاة هذا الحديث» قالوا: «ما زكاته؟» قال: «أن تعملوا بخمسة أحاديث من كل مائتين ...»

وأخذ المتصوفون يضعون الكتب في التصوف كما كان يفعل الفقهاء في تأليف الفقه.

وثار الخلاف بين الفقهاء والمتصوفة؛ لاختلاف النزعتين، فالمتصوفة يعتمدون على القلب وعلى الذوق، وعلى المعرفة من طريق الإلهام، والفقهاء يعتمدون على ظاهر القرآن والسنة، وعلى الاستنباط العقلي.

وكانت الخصومة أشد ما تكون بين المتصوفة والحنابلة؛ لشدة تمسك الحنابلة بظاهر النصوص، ورميهم الصوفية بالزندقة.

| الرشيد في قصر الخلد

تولية الرشيد

في هذا الوضع، وفي هذا الجو، وفي بغداد هذه، وعلى هذا النظام الذي ذكرنا بعضه تولى الرشيد ... وقد جلس على العرش في قصر فسيح يسمى «قصر الخلد»، بناه جده المنصور، وجعله في الجانب الغربي من دجلة - وهو يقع في منحنى نهر دجلة بإزاء باب خراسان - حتى إذا شبت نار الثورة كان في استطاعته أن يفر إلى خراسان، وهي أهم مؤسس للدولة العباسية، وفي ناحية من نواحيه على الشاطئ الآخر قصور البرامكة ... هذا قصر يحيى، وهذا قصر جعفر، وهذا قصر الفضل.

وله فناء واسع قد ملئ بالجواري والغلمان على مختلف الأشكال والألوان، وقد كان الرشيد يغالي في أثمانهن، وخصوصا إذا كانت الفتاة جميلة أو متعلمة الغناء، أو أديبة. واشتهر من جواري القصر اللاتي غلبن على الرشيد: ماردة، وهي التي ولدت منه المعتصم، وهيلانة، وهي يونانية كما يدل عليها اسمها، وقد ماتت، وحزن عليها الرشيد حزنا شديدا، وقال الشعر فيها:

أف للدنيا وللزينة فيها والإناث

إذ حثا الترب على هيلان في الحفرة حاث

ويقول فيها أبان اللاحقي على لسان الرشيد:

بت ضجيع الحزن ما أغفى

لحادث جل عن الوصف

حزنان حزن منهما ظاهر

وأوجع الحزنين ما أخفي

أنت أهل الترب من فوقها

مواريا تحت الثرى أنفي

لهفي على هيلان لو أنه

يرد شيئا فاتنا لهفي

وهذا القصر كأنه مدينة صغيرة له أجنحة متعددة ... هذا جناح للخيزران أم الرشيد بكتبها وغلمانها وجواريها.

وكانت مواكب الأمراء تأتي إلى بابها فنهاها الهادي عن ذلك ، وقال لها: «متى وقف ببابك أمير ضربت عنقه، أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو سبحة؟!» فقامت الخيزران، وهي ما تعقل من الغضب، وقد ذكروا أنها كان لها شأن في الدسيسة التي حيكت حول ابنها الهادي حتى قتل، فلما تولى الرشيد أعاد لها سطوتها وسلطانها.

ولكنها لم تطل مدتها ... فماتت بعد ثلاث سنوات من خلافته، وكان يوم وفاتها يوما ممطرا فمشى الرشيد في جنازتها، وكانت امرأة عاقلة قوية السلطان كبيرة الشخصية تتدخل في شئون الدولة وتسيرها، يعينها على ذلك يحيى البرمكي وأولاده، وقد خاف ابنها الهادي من سطوتها، وتدخلها وشخصيتها، فحجر عليها فكرهته ...

وهذا جناح زبيدة زوج الرشيد، وهي كذلك شخصية قوية خيرة، لها خدمها الخاصون، وغلمانها، وجواريها، وكانت كالخيزران في تدخلها السياسي، غير أنها لم تكن مثلها في دس الدسائس، بل كانت بارة محسنة، تنفق الأموال على الملاجئ والمستشفيات، ومن آثارها الخالدة عين الماء المسماة باسمها، والتي أنشأتها في الحجاز، ومدت بها الماء إلى مكة، ثم كان في حجرها ابنها محمد الأمين.

هارون الرشيد · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٢٠