تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك كانت هذه العناصر تختلف في الأهواء والسياسة، ولذلك قالوا: اشتهرت الكوفة بالتشيع لعلي وأولاده، والبصرة بالتشيع لعثمان وأهل بيته، واشتهرت الجزيرة بأنها تضم الخوارج، وأهل الشام لا يعرفون إلا آل أبي سفيان، وطاعة بني مروان، واشتهر أهل مكة والمدينة بالميل إلى أبي بكر وعمر، لا يعدلون عنهما.

كما كان في هذه البلاد نصارى حافظوا على شعائر دينهم، ويهود كذلك، ومجوس يوقدون نيرانهم.

ولكل من هؤلاء جميعا أدب وعلم، وهؤلاء كلهم يتزاوجون، فيخرج منهم مولدون يحملون جزءا من طبائع آبائهم، وجزءا من طبائع أمهاتهم، وجزءا من شخصياتهم، وخير مثل على ذلك قصور الخلفاء؛ فالمنصور كان له أمة كردية، ولدت له جعفرا الأصغر، وأمة رومية، ولدت له ابنا يسمى صالحا المسكين، وامرأة أموية، أولدها بنتا تسمى العالية، وهكذا.

وكان للرشيد زهاء ألفي جارية غير الحرائر ... فله جارية فارسية، أولدها المأمون، وأخرى أولدها المعتصم، ويقال: إنه كان للمتوكل أربعة آلاف سرية ... إلخ. •••

وكما كان هناك توالد بين الأجسام كان هنالك توالد مثله بين العقول ... فعقل عربي مع عقل يوناني يكون منه نتاج خاص، وكذلك العقل المتولد بين فارسي وعربية، أو بين عربي وهندية، أو بين مسلم ونصرانية، أو بين مسلم ويهودية.

ومع هذا الاختلاف في العناصر والأديان والعرف والتقاليد، كانت كلها تصب في قالب واحد نتيجة للبيئة الطبيعية والاجتماعية، كالذي تراه إذا ذهبت إلى أوروبا فنظرت إلى وجه حكمت بأنه مصري، ولا عبرة في ذلك بين أبيض وأسمر وجعد الشعر ومرسله؛ لأن لكل أمة وحدة يتساوى فيها الأفراد مع اختلافهم في الدم والدين ، وغير ذلك، وكان العنصر المتميز في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين هو العنصر العربي، وسائر الأجناس كانت تبعا لهم، رووا أن رجلا من الموالي خطب بنتا من أعراب بني سليم وتزوجها، فركب محمد بن بشير الخارجي إلى المدينة، وقابل الوالي فأرسل الوالي إلى المولى، وفرق بينه وبين زوجته، وضربه مائتي سوط، وحلق رأسه ولحيته وحاجبه عقابا له على أنه تزوج أعرابية، فقال محمد بن بشير للوالي:

قضيت بسنة وحكمت عدلا

ولم ترث الحكومة من بعيد

وفي المئتين للمولى نكال

وفي سلب الحواجب والخدود

إذا كافأتهم ببنات كسرى

فهل يجد الموالي من مزيد

فأي الحق أنصف للموالي

من اصهار العبيد إلى العبيد

ولما نزل الحجاج واسطا نفى النبط منه، ووسم أيديهم بالمشرط، وكتب إلى عامله بالبصرة: إذا قرأت كتابي فانف من قبلك من النبط، فإنهم مفسدة للدين والدنيا، وأمر الحجاج ألا يؤم الناس في الكوفة إلا عربي، وكان العرب في الدولة الأموية إذا أقبل العربي من السوق، ومعه شيء ثقيل فرأى مولى دفعه إليه ليحمله عنه، ولو كان العربي راكبا والمولى ماشيا، فلما جاء الفرس انتقموا من العرب، وخلقوا فكرة الشعوبية يطلبون فيها المساواة، ويدعون أن في كل أمة مزايا وعيوبا، وألفوا في ذلك الكتب يحقرون من شأن العرب، ويذكرون مثالبهم، كالذي يقوله أبو نواس:

ومن تميم ومن قيس وغيرهما

ليس الأعاريب عند الله من أحد

الشعوبية

ولم يستسلم العرب - أول الأمر - لهذه الدعوة الشعوبية بل قاوموا، وكانت المقاومة بالحرب أحيانا، وبالدس أحيانا، وربما كانت نكبة البرامكة نتيجة لهذه الخصومة الشديدة بين الفرس والعرب في السر والعلن، قال ابن خلدون: كان بنو قحطبة أخوال جعفر، وهم عرب من أعظم الساعين عليهم، وأخيرا انتصر الفرس على العرب بهزيمة الأمين، وذهب ريحهم كما ذهب ريح الفرس على يد الأتراك فيما بعد.

وزاد الشعوبية انتصارا أن الخلفاء تعصبوا للإسلام، ولم يتعصبوا للعرب، وظهر على لسان أبي نواس، والخريمي، ومهيار الديلمي، وبشار الاعتزاز بالنسب الفارسي، يقول بعضهم:

ولست بتارك إيوان كسرى

هارون الرشيد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ١٨