فقال: «قبلت» ثم أخذ في النوادر والحكايات، فما ترك حكاية إلا أتى بها، ولم يترك حكاية لعربي ولا نحوي ولا نبطي ولا زنجي ولا شاطر إلا قصها، والخدم يكادون يهلكون من الضحك، والخليفة مقطب لا يبتسم فقال المضحك: «قد نفد ما عندي» فقال: «أهذا كل ما عندك؟»
قال: «نعم ... بقيت نادرة واحدة، وهي أن تجعل الصفعات عشرا بدلا من خمس» فأراد الخليفة أن يضحك فأمسك، فمد المضحك قفاه فصفع صفعة كادت أن تقطع أنفاسه؛ إذ كان الجراب مملوءا بالحصى، فصاح المضحك: «يا سيدي نصيحة» قال الخليفة: «ما هي؟» قال: «ليس أحسن من الأمانة، ولا أقبح من الخيانة، إن لي شريكا في الجائزة قد ضمنت له نصفها، أرغب أن يحضره أمير المؤمنين.»
قال: «من هو شريكك؟» قال: «الخادم الذي أحضرني، وقد أخذت حقي فأعطوه حقه» ... فضحك الخليفة حتى استلقى على قفاه!
انتشار الزندقة
وانتشرت في هذا العصر الزندقة ... اشتدت في عهد المهدي، واشتهر بقتله للزنادقة، واستمرت إلى عهد الرشيد، وكانت كلمة الزندقة - ككلمة الشيوعية اليوم - غير محدودة المعنى عند العامة، وهي تهمة يتهم بها الشخص عدوه لينال السلطان منه، فكانوا يطلقونها على معان كثيرة: (1)
كانوا يطلقونها على المجان كحماد عجرد، وآدم بن عبد العزيز لإمعانهما في اللهو. (2)
وكانوا يطلقونها على المرشحين للخلافة حتى يكرههم الناس، وحتى يسهل للخليفة عزلهم، وتولية أولاده بدلهم، أو على الشخص العظيم الذي يريد الخلفاء أن يتخلصوا منه كما أطلقوها على أبي مسلم الخرساني، وعلى البرامكة. (3)
وكانوا يطلقونها أيضا بحق على الذين يلحدون في أقوالهم كقول أبي نواس:
فدعي الكلام لقد أطعت رواية
وصرفت معرفتي إلى الإنكار
ورأيت إتياني اللذاذة والهوى
وتعجلا من طيب هذي الدار
أحرى وأحزم من تنظر آجل
علمي به رجم من الأخبار
ما جاءنا أحد يخبر أنه
في جنة من مات أو في نار
وقوله:
يا ناظرا في الدين ما الأمر
لا قدر صح ولا جبر
ما صح عندي من جميع الذي
تذكره إلا الموت والقبر
وقوله:
قلت والكأس على كفي تهوى الالتثام
أنا لا أعرف ذاك اليوم في ذاك الزحام
وقول ابن سيابه:
قل لمن يلحاك فيها
من فقيه أو نبيل
أنت دعها وارج أخرى
من رحيق السلسبيل
ونحو ذلك ... ومن كانوا يسمعون مثل هذا القول كانوا طائفتين: طائفة متزمتة تسخط على قائل مثل هذا القول، وترميه بالإلحاد وبالزندقة، وطائفة متسامحة ترى أن هذه الأقوال قيلت على سبيل الفكاهة والتملح. (4)
وكانوا يستعملون كلمة زنديق أحيانا للدلالة على الظرف والتملح كالذي يقول:
تزندق معلنا ليقول قوم
إذا ذكروه زنديق ظريف
فقد بقي التزندق فيه وسما
وما قيل الظريف ولا اللطيف (5)
وأحيانا يطلقونها بحق على طائفة من الفرس كانوا يظهرون الإسلام، ويبطنون أديانهم الأولى من مانية وغيرها، وكان هذا الصنف كثيرا في هذا العصر، يرمون إلى إعادة الدولة الفارسية، كما كانت في العصور الأولى قبل الفتح الإسلامي.
وأيا كانت فقد طبقت الكلمة ظلما على قوم عرفوا بأصالة الفكر وحرية القول، ولكن خشي بأسهم فاتهموا بالزندقة، وقتلوا كالذي حدث مع عبد الله بن المقفع.
عناصر متعددة
وكان السكان في ذلك العهد يتكونون من عناصر مختلفة تختلف في دمها وفي عقليتها وعاداتها وتقاليدها ومنهج تفكيرها ... وامتزجت كلها في أتون واحد؛ ذلك لأنها كانت تتكون من أمم مختلفة على أثر الفتوح الأموية، فكان منها العنصر البربري الوارد من بلاد المغرب، والعنصر الفارسي الوارد من بلاد فارس، والعنصر العربي الوافد من جزيرة العرب، واليمنيون الآتون من اليمن، والنبطيون، والروم الذين كانت تسوقهم الحرب بين المسلمين والبيزنطيين، وغيرهم من العناصر والأجناس الأخرى.
وكان لكل من هذه العناصر عقلية خاصة، ودم خاص، وأخلاق خاصة، ولكل عنصر مزاياه، وقد عدد الجاحظ مزايا العناصر في عصره فقال: «ميزات أهل الصين: الصناعة فهم أصحاب السبق، والصياغة، والإفراغ، والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط، والنحت، والتصاوير، والنسيج، واليونانيون يعرفون العلل، ولا يباشرون العمل، وميزتهم الحكم والآداب، والعرب لم يكونوا تجارا، ولا صناعا، ولا أطباء، ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة ... فيكونون مهنة، ولا أصحاب زرع؛ لخوفهم من صغار الجزية، ولا طلبوا المعاش من ألسنة المكاييل ورؤوس الموازين، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، وإنما ميزتهم قول الشعر، وبلاغة المنطق، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآيات الحروب، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وميزة الأتراك في الحروب، والزنج أطبع الخلق على الرقص، والضرب بالطبل، وعلى الإيقاع الموزون من غير تأديب ولا تعليم، وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم، وليس كل يوناني حكيما، ولا كل صيني في غاية من الحذق، ولا كل أعرابي شاعرا فائقا، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وفيهم أظهر وأكثر.»