وجاء في وصف عريب - المغنية البغدادية - قول بعضهم فيها: «وكانت عريب مغنية محسنة، وشاعرة صالحة للشعر، وكانت مليحة الحفظ والمذهب في الكلام والظرف، وحسن الصورة، والرواية للشعر والأدب، والملاحة والمماجنة مما لم يتعلق به أحد من نظرائها، ولا رئي في النساء نظير لها»، وهذا وصف يكاد يكون المثل الأعلى للبغداديات، وكان يكثر فيهم لثغة الراء بالغين كلثغة الباريسيين اليوم، وصارت لثغتهم لغة من بعدهم، ويعدون هذه اللثغة علامة الرقة.
وقال الجاحظ في وصف البغداديين: «إنهم يستملحون اللثغاء إذا كانت حديثة السن، ومقدودة مجدولة»، وقد رويت لهم الأمثال الكثيرة الظريفة، يقولون: فلان كبش من كبش، مجلس بلا ريحان، كشجرة بلا أغصان، مواعيد الفتيان الآل في الفيافي، كلام يكتب بالغالية على خدود الغانية، من كلام النساء ما يقوم مقام الماء ... إلخ.
الغزل والزينة
ونشر بشار فيما بينهم الغزل المتهتك، ونشر أبو نواس الغزل بالمذكر، وقيدوا قوانين الظرف بوصفهم الظريف بأنه: لا يتدخل في حديث بين اثنين، ولا يتكلم فيما لا يفهمه، ولا يتثاءب، ولا يستنثر، ولا يتجشأ، ولا يتمطى في المجالس، ولا يمد رجليه، ولا يمس أنفه، ولا يسرع في المشي، ولا يجلس إلا حيث يجلس أمثاله، ولا يأكل مما يتخذ في الأسواق، ولا يأخذ شعره في دكان حلاق، ولا يماكس في الشراء، ولا يشارط صانعا، ولا يصاحب وضيعا، وأن يكون طيب الرائحة نظيف البدن، ولا يطول له ظفر، ولا يسيل له أنف. ومن أثر بغداد ما وصف به ابن جرير الطبري فقيل: كان إذا جلس لا يكاد يسمع له تنخيم أو تبصق، وإذا أراد أن يمسح ريقه أخذ ذؤابة منديله، ومسح جانب فيه، ومن قولهم:
لا خير في حشو الكلا
م إذا اهتديت إلى عيونه
والصمت أجمل بالفتى
من منطق في غير حينه
ويساوي ابن بغداد ما يسمي عندنا اليوم بابن البلد، وهم يكثرون من التزين: زينة الشعر، وقد تفننوا فيه، وكان للجواري تفنن في شعرهن: فمنهن من يجعلنه فوق رأسهن كالتاج، ومنهن من يجعلنه كالعناقيد، ومنهن من تسدل شعرها على أذنها، وتقطع ما بينها وبين وجنتيها، ومنهن من يستعمل الطرة الهلالية: وهي أن يسدل جميع الشعر فوق الجبهة ثم يقطع منه مثال نصف دائرة فتكون كأنها الهلال.
واستكثروا من الدهن للشعر ، قال الجاحظ في أيامه: «ذهبت الفتيان، فما ترى فتى يفرق الشعر بالدهن»، وغلف النساء شعورهن بعد غسلها بالمسك، والعنبر، واستعملن الحناء والخضاب، وكتبن على الأكف والأيدي بالحناء، قال الماوردي: قرأت على راحة قائد جارية لبعض جواري المأمون على اليمنى بالحناء:
فديتك قد جبلت على هواكا
فقلبي ما ينازعني سواكا
وعلى اليسرى:
أحبك لا ببعضي بل بكلي
وإن لم يبق حبك من جواكا
وكتبت سيدة على كف جاريتها بالحناء:
أبى الحب إلا أن أكون معذبا
ونيرانه في الصدر إلا تلهبا
فواكبدا حتى متى أنا واقف
بباب الهوى ألقى الهوان وأنصبا
واستكثروا من التعطر والطيب ... فاستعملوا المسك الممزوج بماء الورد المحلول، والعود المعنبر بالقرنفل، والعنبر البحراني ... إلخ، كما استعملوا بخار العود، وخشب الصندل، وكذا البخور المندلي، وهو خليط من العود والمسك واللبان، واشترطوا لجودته أن يكون فحمه الذي يحرق فحما خشبيا من شجر الغضا؛ لأنه عديم الدخان، والمتأنقون منهم يستعملون فحما يسمى فحم بختيشوع الطبيب؛ وهو الذي اخترع تركيبه.
كثرة الدعابة
وكثرت فيهم الدعابة، وروي لهم فيها الشيء الكثير في أخبار الجاحظ وغيره، وكان في بغداد كثير من المضحكين، وحفاظ النوادر كأبي العبر، وابن المغازي، من ذلك ما حكي أن ابن المغازي هذا وقف على باب دار الخلافة يوما يضحك الناس ويتنادر، وأخذ يوما في نوادر الخدم حتى ضحك الخادم، ودخل على الخليفة وهو يضحك، فأنكر الخليفة ذلك، وقال: «ويلك ما بك؟» فقال: «على الباب رجل يتكلم بحكايات ونوادر مضحكة» فأمر الخادم بإحضاره، فاشترط الخادم أن يكون له نصف الجائزة، فقال الخليفة: بلغني أنك مليح الفكاهة، وعندك نوادر مجونية مضحكة، فقال: «يا أمير المؤمنين الحاجة تفتق الحيلة» قال الخليفة: «هات ما عندك! فإن أضحكتني أعطيتك ألفي درهم، وإن لم تضحكني فما لي عليك؟» قال: «افعل بي ما أردت»، قال الخليفة: «أنصفت، أصفعك بهذا الجراب خمس صفعات»، وكان هذا الجراب من أديم لين، فظن المضحك أنه منفوخ، وليس فيه إلا هواء.