وبنى على مقربة من هذا القصر المسجد الجامع، وقصور الأمراء والأشراف، ودواوين الحكومة، وكانت ضواحي المدينة مليئة بالحدائق والمتنزهات، والأسوار العامرة، والحمامات الجميلة، والجوامع الفخمة على جانبي النهر، وقد بلغ سكانها في أوج عظمتها نحو مليونين، وتخترق المدينة على جوانب النهر شوارع فسيحة تبلغ أحيانا أربعين ذراعا، وقد قسمت إلى مربعات، ويقوم على حراستها ليل نهار حراس يقفون في الأبراج المشيدة، والماء يصل إلى الدور في جداول، وتكنس الشوارع، وتنظف على نظام معين، فكان يعلو قصر الذهب قبة خضراء، ويبلغ ارتفاعها ثمانين ذراعا، وعلى القبة تمثال فارس، وبيده رمح طويل، ويعد هذا القصر بزينته رمز العباسيين. •••
وكانت بغداد مدينة زاخرة بكل العلوم والفنون، بناها المنصور، وما لبثت أن ازدهرت واحتوت على كل أسباب الترف والنعيم، وبعد مدة قصيرة من بنائها، كانت عروس الأقطار الإسلامية والأوروبية، فلم يكن على وجه الأرض أزهر منها، وليست تقاس عاصمة البيزنطيين، ولا عاصمة شارلمان بها في الصناعة أو في العلم، ولم تساوها الشام ولا فارس في عهد الدولتين الرومانية والفارسية، ويحدثنا مؤرخو بغداد بعظمة هذه الحضارة، حتى إذا قرأناها فكأنما نقرأ وصفا للحضارة العصرية.
وكثرت الرحلات منها إلى البلاد الأخرى: كالبلقان، والصين، وسيبيريا؛ يدعوهم إلى هذه الرحلات حب التجارة، والتبشير بالإسلام، وكانوا إذا وصلوا إليها احتقروها بالنسبة لمدينتهم مستسهلين الصعاب والمخاطرة بالنفس، فإذا قورنت هذه المدنيات بمدنية المسلمين - وخاصة في بغداد - سادت المدنية الإسلامية، وكانت هي موضع التقليد للغربيين حتى إنهم كانوا يستمدون في تشريعهم من التشريع الإسلامي، وكان العالم الأوروبي وقتئذ في جهل كبير.
ويقول الخطيب البغدادي: إنه أحصى السميريات - وهي نوع من القوارب بدجلة - فكانت ثلاثين ألفا، تدر على ملاحيها في كل يوم تسعين ألف درهم، وكان عدد الحمامات ستين ألف حمام، وبإزاء كل حمام خمسة مساجد. •••
وكانت بغداد تنقسم إلى محلات، كل محلة بقعة من الأرض بها مبان وقصور وشوارع ومساجد وأسواق وجوامع، وكل محلة عليها باب كبير يقف عليه الحراس يمنعون دخول المحلة ليلا إلا بإذن، كما كان هناك أسواق متعددة ... فسوق القطن، وسوق السلاح، وسوق الثلاثاء، إلى آخره ... كما أقيمت فيها القصور الضخمة العالية، ويتبعها بيوت صغيرة للحاشية، وكل قصر فيه بستان، وقد يكون فيه مسجد لأهله ... واشتهر في بغداد أسماء قصور كثيرة، منها قصر الخلد، وقصر زبيدة، وقصر التاج، وقصور البرامكة، وقصر الخصيب، وقصر المهدي.
المذاهب الدينية
وانتشرت في بغداد المذاهب الدينية والفرق، قال المقدسي: قلما رأيت في بغداد من فقهاء أبي حنيفة إلا رأيت أربعة: الرياسة مع لباقة فيها، والحفظ، والخشية، والورع. وفي أصحاب مالك أربعا: الثقل، والبلادة، والديانة، والسنة. وفي أصحاب الشافعي: النظر، والشغب، والمروءة، والحمق.
وفي أصحاب داود: الكبر، والحدة، والكلام، واليسار.
وفي أصحاب المعتزلة: اللطافة، والدراية، والفسق، والسخرية.
وفي الشيعة: البغضة، والفتنة، واليسار، والصيت.
بساتين بغداد
كما انتشرت فيها البساتين ... استجلبوا أشجارها من كل الأقطار، واختاروا منها ما يصلح لجو بغداد، وعرفوا موسم كل نبت وكل شجرة، وانتشرت بينهم الزهور، وأعجبوا بها أيما إعجاب، وكان بعضهم يهيم بالورد، وبعضهم يهيم بالنرجس، حتى كان بعضهم يغلق دكانه في موسم الورد، وبعضهم يهيم بالورد الأبيض الخالص أو الأحمر الخالص فتعددت أنواع الورد، وكثر عشاقه، وبعضهم يميل إلى الورد الملون نصفه أحمر ونصفه أصفر، وسموه الورد الموجه.
وكانت في بغداد حدائق للورد خاصة، وحدائق خاصة للأزهار الأخرى، وعرفت لديهم لغات الورد، فلكل نوع منه لغة خاصة للعشيق أو العشيقة، كما اشتهرت بغداد في تلك الأيام برقة أهلها وظرفهم، كما تشتهر باريس في فرنسا اليوم، وأصبح للظرف عندهم قوانين، وأصيب أهل بغداد بالغرور والإدلال ببلدتهم، حتى قالوا: فلان تبغدد أي تلطف وترقق، وشاعت هذه الكلمة إلى عصرنا هذا، قال المقدسي: «ولا أحسن حسانا من أهل بغداد»، وقال أيضا: «هي مصر للإسلام»، ولهم خصائص من ظرافة وقرائح ولطافة ... هواء رقيق، وعلم دقيق، وكل صيد بها، وكل حسن فيها، وكل حاذق منها، وكل قلب إليها، وكل حرب عليها، وقال غيره في وصف أهلها: ندماء ظرفاء نظاف يتناشدون الأشعار، ويتجاذبون أهداب الآداب، ويقولون على من ليس بغداديا إذا كان ظريفا: «فلان ليس من الرقعة، ويتظرف بظرفهم.» •••