فتنتنا صورة في بيعة
فتن الله الذي صورها
زادها الناقش في تحسينها
فضل حسن أنه نضرها
وجهها لا شك عندي فتنة
وكذا هي عند من أبصرها
أنا للقس عليها حاسد
ليت غيري عبثا فسرها
وقد وصف ابن المعتز ليلة في دير وصفا بديعا فقال:
سقى المطية ذات الظل والشجر
ودير عبدون أهطال من المطر
فطالما نبهتني للصبوح بها
في غرة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهم
سود المدارع نعارين في السحر
مزنرين على الأوساط قد جعلوا
على الرؤوس أكاليلا من الشعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل
بالسحر يطبق جفنيه على صور
لاحظته بالهوى حتى استقاد له
طوعا وأسلفني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستترا
يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فكنت أفرش خدي في الطريق له
ذلا وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحني
مثل القلامة قد قدت من الظفر
وقد روي في الأغاني من ألوان هذا الشعر الشيء الكثير، وبجانب هؤلاء اليهود والنصارى كانت الصابئة في حران، وقد عوملوا معاملة أهل الذمة، وفشت بينهم الفلسفة اليونانية كما كانت هناك صابئة في العراق لا تزال بقاياهم إلى اليوم يسمون الصبة، كما كان كثير من الرعية من أتباع زرادشت، وأتباع ماني، وقد عدوا أيضا من أهل الكتاب، وعوملوا معاملتهم، والحق أنه وإن انتصر أهل الذمة بإثارة عقائدهم في الجو الإسلامي ونشاطهم، وانتصر الفرس بتقاليدهم، فقد انتصر العرب بشيئين عظيمين، وهما: دينهم ولغتهم. (6) الكتاب
وكان للعباسيين طريقة في تعليم أولادهم، فهم يرسلونهم إلى الكتاب - وكان معروفا في ذلك العهد - وقد وصفه أبو نواس في بعض شعره إذ قال:
إنني أبصرت شخصا
قد بدا منه صدود
جالسا فوق مصلى
وحواليه عبيد
فرمى بالطرف نحوي
وهو بالطرف يصيد
ذاك في مكتب حفص
إن حفصا لسعيد
قال حفص اجلدوه
إنه عندي بليد
لم يزل مذ كان في الدر
س عن الدرس يحيد
كشفت عنه خزوز
وعن الخز برود
ثم هالوه بسير
لين ما فيه عود
عندها صاح حبيبي
يا معلم لا أعود
قلت يا حفص اعف عنه
إنه سوف يجيد
وهذا يدلنا على أنه كان في عهد أبي نواس كتاب، وكان فيه بعض الأغنياء بجوار أولاد الفقراء، وكان فيه ضرب شديد، وكان معلمو الكتاتيب مشهورين بالغفلة والسذاجة، حتى وضع فيهم الجاحظ رسالة لطيفة يستخف بهم، وإلى جانب الكتاتيب كان الأغنياء يعلمون أولادهم بالمعلمين الخصوصيين.
ويروي الأغاني أن التلاميذ في الكتاب كانوا إذا أتموا حفظ القرآن سير بهم في الشوارع، ونثر عليهم اللوز، وقد حدث مرة أن أصابت لوزة عين تلميذ ففقأتها، وكانت الكتاتيب هذه مقصورة على الذكور دون الإناث.
وكان من أهم مصادر الثقافة حوانيت الوراقين، وقد روى لنا الجاحظ أنه استفاد كثيرا من دكان وراق كان يجلس فيه، ويغلقه عليه، ويستوعب ما فيه، وكان يرد على هؤلاء الوراقين بعض العلماء واللغويين يتجادلون فيما بينهم في المسائل العلمية. •••
ولم يمنع المسلمين نهي الإسلام لهم عن التصوير من ازدهار التصوير، ومنه الخطوط الجميلة والموسيقى والغناء، فقد تفننوا فيها كل التفنن، وكانت مجالس الرشيد وبلاطه مثلا أعلى للغناء والموسيقى، وكانت هناك مدارس لهم - كما كان هناك أصحاب الموسيقى النظرية والعلمية - فهم ينقلون فلسفة الغناء عن أرسطو، وفلسفة جالينوس، وفلسفة إقليدس كالذي فعله الفيلسوف الكندي بعد ذلك بقليل.
| بغداد
عروس الأقطار الإسلامية
عظمة بغداد
هذا النظام الإداري والاجتماعي الذي ذكرناه كان له مركز خاص هو بغداد، وعلى منواله تسير سائر الأقطار الإسلامية. وبغداد هذه مدينة خطها المنصور مدورة، وجعل لها أربعة أبواب، سماها بأسماء المدن التي تتجه نحوها، وهي أبواب: البصرة، والكوفة، والشام، وخراسان، وحفر حولها خندقا، وبنى على كل باب قبة عالية تسمح بدخول الفارس وهو شاهر رمحه، وسورها بثلاثة أسوار، وبنى في الوسط قصرا ذهبيا يعرف بقصر الذهب.