تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي وصف مجلس للشراب يقول الشاعر:

اسقني واسق خليلي

في مدى الليل الطويل

لونها أصفر صاف

وهي كالمسك الفتيل

في لسان المرء منها

مثل طعم الزنجبيل

ريحها ينفح منها

ساطعا من رأس ميل

من ينل منها ثلاثا

ينس منهاج السبيل

فمتى ما نال خمسا

تركته كالقتيل

ليس يدري حين ذاكم

ما دبير من قبيل

إن سمعي عن كلام ال

لائمي فيها الثقيل

لشديد الوقر إني

غير مطواع ذليل

أنت دعها وارج أخرى

من رحيق السلسبيل

تعطش اليوم وتسقى

في غد نعت الطلول

وكانت المنازل في الصيف تبرد بالثلج، أو بخيش مبلل بالماء عليه من يشده، ويرطبه لتكون منه مراوح، ويتعاطون الماء مذابا فيه السكر بعد أن يعطر بماء البنفسج، أو سائر الزهور، ويتعاطى الناس الشراب ألوانا، فأحيانا من نبيذ التمر، وأحيانا من عصير العنب، وقد ألف ابن قتيبة بعد ذلك العصر كتابا في أنواع الشراب، وما قيل فيه، وكيفية صنعه، ولم يقل أحد في الخمر ما قاله شعراء هذا العصر كأبي نواس، وابن سيابه.

واتخذ المترفون الندمان، واشترطوا فيهم شروطا دقيقة من خفة الروح، وحسن الحديث، وحفظ السر، وقوة المروءة، والمبالغة في السماع، وكانت عادة فارسية نقلوها فيما نقلوا إلى العباسيين، وكان للرشيد مجالس عامرة.

وصاحب البيت إذ ذاك يعطر لحى ضيوفه بالمسك، أو ماء الورد، وكانوا يعطرون مجالس الشراب برائحة العنبر أو المسك. (4) الألعاب الرياضية

وانتشرت الألعاب الرياضية والصيد، وكثيرا ما وصفه الشعراء، وجعلوا من شعرهم بابا يسمى: الطرد كما فعل أبو نواس، وعنوا بحيوانات الصيد وطيوره، حتى جعلوه علما سموه: البيزرة، وانتشرت في أيام الرشيد لعبة الشطرنج والنرد، كما انتشر لعب الصولجان واللعب بالسيف والترس وسباق الخيل.

وقد وصف المسعودي يوما للرشيد كان فيه سباق للخيل أمامه، وجلس هو في صدر الميدان يشرف على السباق.

وانقسم الناس إلى طبقات لا تتعدى إحداها الأخرى، وكان ذلك تقليدا للفرس في تقسيمهم الشعب إلى طبقات؛ فالخليفة على رأس الطبقات، ويليه كبار الموظفين من وزراء وأمثالهم، ثم البيت الهاشمي ثم جند الدولة والحرس، وكثرت الأعياد في الدولة العباسية تقليدا في بعضها للفرس كالنيروز، وفي بعضها للنصارى كيوم الشعانين، أما حياة البؤساء الفقراء في مأكلهم، فعبر عنها خير تعبير أبو العتاهية في قوله:

رغيف خبز يابس

تأكله في زاويه

وكوز ماء بارد

تشربه من صافية

وغرفة ضيقة

نفسك فيها خاليه

أو مسجد بمعزل

عن الورى في ناحيه

تدرس فيه دفترا

مستندا لساريه

معتبرا بمن مضى

من القرون الخاليه

خير من الساعات في

فيء القصور العاليه

فهذه وصيتي

مخبرة بحاليه

طوبى لمن يسمعها

تلك لعمري كافيه

فاسمع لنصح مشفق

يدعى أبا العتاهيه (5) حرية الأديان

وبجانب المسلمين في المملكة الإسلامية كان أهل الذمة، وكان من أكبر دخل الدولة الجزية التي كانت تجبى منهم، وكثيرون منهم كانوا موظفين كبارا كجبريل بن بختيشوع.

وقد عرف أن الرشيد كان شديد الوطأة عليهم ... فقد ألزمهم بنوع من اللبس يخالفون به المسلمين، وأمر بهدم الكنائس التي بنيت بعد الفتح الإسلامي، وألزم النصارى بلبس الزنار، ومع ذلك كان لهم قدر كبير من الحرية في المجادلة والمناقشة والأبحاث الدينية، وقد ترجمت التوراة والإنجيل ترجمة جديدة في عهد الرشيد، وكان النصارى يتبعون كنيستين سريانيتين: الكنيسة اليعقوبية، والكنيسة النسطورية، والأكثر يتبعون الكنيسة النسطورية، ورئيسهم كان يعرف بالجاثليق، وقد منح حق السكنى في بغداد.

وكان في بغداد حي يطلق عليه حي الروم، وله أيضا حق إرسال المبشرين في النواحي المختلفة، حتى كان من أتباعه المبشرون في الصين، وكم لعبت الأديرة ورهبانها بعقول الشعراء أمثال أبي نواس.

أثر الأديرة

وكانت الأديار مثارا لشيئين متناقضين: حياة الزهد عند الرهبان، ينقل عنهم الزهاد وصاياهم ونصائحهم، والغزل عند الأدباء؛ وذلك لأنه كان يوجد في هذه الأديار بعض الجميلات والوسيمين من الفتيان والفتيات، وكانت الأديار أيضا - في الغالب - تقع في أمكنة النزهة والبساتين البديعة، فأكثر فيها المجان والشعراء من شعرهم، فقال الشاعر:

هارون الرشيد · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ١٣