تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء".

قوله - ﷺ -: " إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم" إنما أراد به - والله أعلم -: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، وقد سمى الله بني إسرائيل بانفرادهم أمما، فقال:

﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا﴾؟ [الأعراف: ١٦٨]؛ ولهذا فسر النبي - ﷺ - ذلك بعمل أهل التوارة بها إلى انتصاف النهار، وعمل أهل الإنجيل به إلى العصر، وعمل المسلمين بالقرآن إلى غروب الشمس.

ويدل على ذلك - أيضا -: حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري بعد هذا، ولفظه: " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل أستأجر قوما يعملون له إلى الليل" - وذكر الحديث، كما سيأتي - إن شاء الله.

وإنما قلنا: إن هذا هو المراد من الحديث؛ لأن مدة هذه الأمة بالنسبة إلى مدة الدنيا من أولها إلى آخرها لا يبلغ قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس بالنسبة إلى ما مضى من النهار، بل هو أقل من ذلك بكثير.

ويدل عليه صريحا: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد، أن النبي - ﷺ - صلى بهم صلاة العصر يومًا بنهار، ثم قام خطيبًا، فلم يدع شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به - فذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: قال: وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء، فقال رسول الله - ﷺ -: " الا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه".

وقال الترمذي: حديث حسن.

وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر، قال: كنا جلوسا عند النبي - ﷺ - والشمس على قعيقعان بعد العصر، فقال: " ما أعماركم في أعمار من مضى إلى كما بقي من النهار فيما مضى منه".

ومن حديث ابن عمر، أنه كان واقفا بعرفات ينظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب، فبكى، وقال: ذكرت رسول الله - ﷺ - وهو واقف بمكاني هذا، فقال: " أيها الناس، لم يبق من دنياكم فيما مضى إلا كما

فتح الباري لابن رجب · الجزء ٤ · الصفحة ٣٣٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح الباري لابن رجبج ٤ · ص ٣٣٣