فهذا يدلّ على الحصر في شدِّ الرِّحال ، فمن جوّز شدّ الرِّحال إلى القبور فعليه الدليل .
ويدل على أن الصحابة رضي الله عنهم ينهون عن شدّ الرِّحال ولو كان لغير القبور – إذا قُصِد به التعبّد – فقد نهى بصرة بن أبي بصرة الغفاري أبا هريرة عن شدّ الرِّحال إلى الطّور .
روى الإمام مالك والإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة قال أتيت الطُّور فوجدت ثم كعبا فمكثت أنا وهو يوماً أُحَدِّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحدثني عن التوراة – إلى أن قال – : فخرجت فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري ، فقال : من أين جئت ؟ قلت : من الطُّور . قال : لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته . قلت له : وَلِمَ ؟ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تُعمل الْمُطِيّ إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد بيت المقدس .
وذَكَر ابن عبد البر في الاستذكار الخلاف حول الرواية عن بُصرة أو عن أبيه .
وروى عبد الرّزاق عن سعيد بن أبي سعيد قال : لقي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقيل : من أين جئت ؟ قال : من الطور . قال : لو لقيتك ما تركتك تذهب ، ثم حدَّثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تُشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا .
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن طلق عن قزعة قال : سألت ابن عمر : آتي الطور ؟ قال : دع الطور لا تَأتِه ، وقال : لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .
ورواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عرفجة .
قال الطيبي في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " :
هو أبلغ من صريح النهي ، كأنه قال : لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به . نقله ابن حجر في الفتح .
وقال القاضي عياض : كَرِه الإمام مالك أن يُقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم .