ومن هنا يظهر لي أن الذي أزاله عمر بن عبد العزيز هو التعسف والإرهاق وتجاوز الحق الواجب، وعدم رعاية الشروط والحدود فيما يؤخذ منه، ومن يؤخذ منه، ومتى يؤخذ، وكيف يؤخذ، مما جعل الناس يشكون من سوء الجباية، وجور العاشرين أو العشارين. فهذا هو الذي أزاله خامس الراشدين رضي الله عنه.
يدل لذلك ما أخرجه ابن حزم -وذكرناه من قبل- عن زُريق (زُرَيق -بضم الزاي وفتح الراء- هكذا رجح أبو عبيد في الأموال ص1661، لأن أهل الشام ومصر ينطقونه هكذا وهم أعلم به. وضبطه البخاري والذهبي وغيرهما بتقديم الراء). بن حيان الدمشقي -وكان على جواز مصر- "كتب إلى عمر بن عبد العزيز: انظر من مرَّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم، مما يديرون في التجارات من كل أربعين دينارًا دينار، وما نقص فبحساب ذلك" (انظر: المحلي: 6/66).
والذي يعنينا هنا: أن حديث: (ليس على المسلمين عشور) لا يصلح مستندًا لمن يقول بتحريم أخذ الضرائب العادلة من المسلمين -عند حاجة الدولة المسلمة إليها- لا من ناحية ثبوته، ولا من ناحية دلالته.
فقهاء من المذاهب الأربعة يجيزون الضرائب العادلة:
وبعد أن فندنا كل الشبهات التي يتمسك بها معارضو شرعية الضرائب العادلة، يحسن بنا -لتأكيد ما بيَّناه في هذا الفصل- أن نذكر أن الفقه الإسلامي قد عرف ضرائب غير الزكاة، أعني ضرائب عادلة أقرها جماعة من فقهاء المذاهب المتبوعة، كما عرفوا الضرائب غير العادلة، ورتبوا عليها أحكامًا.
لكنهم لم يطلقوا على هذه وتلك اسم "الضرائب" بل سماها بعض الفقهاء من المالكية: "الوظائف" أو "الخراج".
وسماها بعض الحنفية: " النوائب " -جمع نائبة- وهى أسم لما ينوب الفرد من جهة السلطان، بحق أو باطل .
وسماها بعض الحنابلة: "الكلف السلطانية" أي التكليفات المالية التي يُلزم بها السلطان رعيته أو طائفة منهم.
في الفقه الحنفي: