تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعجيب أن العلامة المناوي في "التيسير" بعد أن قرر أن الحديث أصل في تحريم أخذ المكس -يعني الضريبة- من المسلم، قال: ولعل الخبر لم يبلغ عمر حيث فعله (أي المكس). فقد قال المقريزي وغيره: بلغ عمر أن تجارًا من المسلمين يأتون الهند، فيؤخذ منهم العُشر، فكتب إلى أبي موسى الأشعري، وهو على البصرة: خذ من كل تاجر مرّ بك من المسلمين من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن تجار العهد -يعني أهل الذمة- من كل عشرين درهمًا درهم" ثم وضع عمر بن عبد العزيز ذلك عن الناس. أهـ (التيسير: شرح الجامع الصغير: 1/368).

يشير بهذا إلى ما جاء عنه أنه كتب إلى أحد ولاته: أن يضع عن الناس المكس. وكتب إلى آخر: أن اركب إلى البيت الذي بـ "رفح" الذي يقال له "بيت المكس"، فاهدمه (الأموال - المرجع السابق ص704).

والحق أن كلام المناوي هنا تعوزه الدقة والتحقيق والتمحيص.

( أ ) فقد صحَّح حديث العشور أو حسنه، وليس هو بصحيح ولا حسن، كما بين هو نفسه في "فيض القدير".

( ب ) افترض أن عمر عمل بضد ما جاء به الحديث الثابت في نظره -ولم ينبهه عليه أحد من الصحابة في عهده، رغم كثرتهم وعنايتهم بأمر دينهم، وتعلقه بأمر من أمور الدولة التي لا يخفى عادة على جمهور الناس.

(جـ) اعتبر ما عمله عمر وأقره عليه الصحابة رضي الله عنهم أمرًا منكرًا بل كبيرة من الكبائر، لأنه من "المكس" الذي لا يدخل صاحبه الجنة! وهذا يناقض ما أمرنا به من اتباع سنَّة الخلفاء الراشدين، ومنهم عمر بالإجماع.

( د ) مفهوم كلامه: أن عمر بن عبد العزيز قد وضع عن الناس مظلمة بدأها عمر بن الخطاب! والواقع التاريخي يثبت أن ابن عبد العزيز كان همه إحياء سنن ابن الخطاب، ولذا كان يُشبَّه به. وإنما عمل على هدم المظالم وسنن الجور التي أسسها بنو أمية -وهم آله وذووه- لأن الله ورسوله كانا أحب إليه منهم.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٩٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٩٨٣