تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يجدر بالأمر أن هذه الآية نزلت بعد غزوة "أُحد" التي استشار النبي صلى الله عليه وسلم فيها أصحابه: أيقعد بالمدينة أم يخرج إلى العدو؟ فأشار عليه جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج ولم يكن ذلك من رأيه، وكانت العاقبة قتل سبعين من الصحابة في سبيل الله. ومع هذه النتيجة نزلت الآية تؤكد الشورى وتأمر بها: (وَشَاوِرْهُمْ) أي دُمْ على مشاورتهم، ولا يمنعنك ما حدث من المشاورة، فما ندم من استشار.

وأما السُنَّة: فكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمور الهامة التي لم يوح إليه فيها بأمر من الله ؛ شاورهم يوم "بدر" في الذهاب إلى العير، ولم يكتف برأي المهاجرين حتى اطمأن إلى موافقة الأنصار، وشاورهم أيضًا أين يكون المنزل فنزل على رأي الحباب بن المنذر، وشاورهم في الخروج يوم "أحد" -كما ذكرنا-، وشاورهم يوم "الخندق" في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان -سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- فترك ذلك، وشاورهم يوم "الحديبية" في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصدِّيق: إنَّا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، وقال صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك: (أشيروا عليَّ معشر المسلمين في قوم أبنوا (أي اتهموها، والأبن: التهمة، وأبنت الرجل: إذا رميته بخلة سوء فهو مأبون) أهلي ورموهم)، واستشار عليًا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها (تفسير ابن كثير: 1/420 - طبعة الحلبي).

قال ابن كثير بعد أن ذكر هذه المشاورات كلها: "فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها، وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبًا عليه أو من باب الندب تطييبًا لقلوبهم؟ على قولين". أهـ (المرجع السابق).

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٩٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٩٧١